Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢١٠210
نداء الحق
من
وللشيطان في إغواء الإنسان والانحراف به عن سواء الصراط مسالك أدق أن يتفطن لها اللبيب إلا بدقة المراقبة وعمق الملاحظة، ووسائل أخفى من أن يتفطن لها إلا أولوا البصائر النيرة الثاقبة، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع هذه الحادثة تمر من غير أن ينبه على بعدها، ويلمح لأصحابه بآثارها، وقد كانوا لا من الفطنة ودقة الملاحظة أنهم يكفيهم التلميح عن التصريح، وإنما هم يستنتجون بحدسهم ما ينطوي عليه التلميح من الأبعاد
صاحب الرسالة العظمى والي.
التي كان
وهو ـ صلوات الله وسلامه عليه - كان وراء كل واحد من
يرمي
إليها
أصحابه يراقب
تصرفاته، حتى لا يأتي بشيء يفتح ثغرة على نفسه لتأثير أي أحد عليه، أو ليتأثر بأي فكر أو أسلوب خارج عن المنظومة الإسلامية الواسعة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم فيما أنزل الله عليه، ناهيك بهذه القصة التي رواها جابر بن عبد الله له «أن عمر بن الخطاب الله أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني»
وهذا راجع إلى خبرة النبي الواسعة بطبيعة النفس البشرية التي تتأثر بما تتلقاه وتنجذب إلى كل جديد لم يكن لها به عهد، فلو ترك للناس مجال فسيح في التلقي من هذا وذاك لتزعزعت في نفوسهم ثوابت الأفكار، وذابت أخلاقهم الصلبة، وتساقطت قيمهم العالية، بما يتتابع عليها من المؤثرات التي تطرق النفوس، لذلك قطع النبي كل مسلك لأي مؤثر من هذه المؤثرات، وهو صلى الله عليه وسلم ـ بلا ريب ـ مستهد في هذا بما أنزل الله تعالى عليه من الحق الذي لم مجالا لباطل أن يصل إليه، فضلا عن أن ينال منه.
يدع
(1) أخرجه أحمد (349/ 23 رقم: (15156)، وابن أبي شيبة (312/ 5) رقم: 26421)، والبيهقي في الإيمان (347/ 1) رقم (17)، وابن أبي عاصم (27/ 1 رقم: 50).