Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢١٤214
نداء الحق
ولم يكن هذا التأسي الذي وجه إليه المؤمنون في هذه القضية بإبراهيم أمر
ومن معه أمرا اختياريا يعود إلى رغبات النفس وما يلائم طباعها، وإنما هو ضروري لتحقيق الانتماء إلى المؤمنين، وتصديق الإيمان بالله واليوم الآخر،
وقد أتبع الله تعالى ما تقدم بقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) الممتحنة: 6، ناهيكم بما في هذا النص أنه نيط الإيمان بالله واليوم الآخر بهذا التأسي، وتبع ذلك التهديد لمن أعرض عنه وتولى جانبا بأنه تعالى هو الغني، ولن يضيره هذا الإعراض شيئا، وإنما يضير المعرضين أنفسهم إذ يحرمون بهذا لطف الله تعالى وهدايته وبره وتوفيقه ورضاه وثوابه، وفاصلة هذه الآية شبيهة في دلالتها بقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران: 97.
بما
هم
وإذا كان الإسلام والقرآن يقفان هذا الموقف في تجنيب المسلم التأثر بالذين كفروا بما يضعانه من الحواجز التي تقيه الانجذاب نحوهم، والإعجاب عليه فكرا أو سلوكا أو خلقا فإنهما لا يتركان التنبيه على ضرورة مفاصلة أهل الكتاب أيضا لئلا يغتر المسلمون بما عندهم من الكتاب، وما سبقوا إليه من علم النبوات فإن كل ذلك لا يجدي شيئا مع ما كان منهم من تحريف الكتاب عن حقيقته التي نزل بها ومن تحريف كلمه عن مواضعه.
ومع
ما أخذه الله من عهد على النبيين وجميع الأمم من ورائهم أن يؤمنوا
بالرسول الخاتم الذي جاء مصدقا لما سبق من الرسالات السابقة، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَتبكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ آل عمران: 81 ـ 82، فما كان لأحد من أتباع النبيين ـ من قبل - بعد أخذ هذا الميثاق عليهم أن ينثني عن اتباع هذا الرسول المبشر به بالإيمان والنصرة، وعدم مخالفته في شيء، وإنما عليهم
6