Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢١٧217
المحور العاشر فيما يتعلق بالتقاليد
يكونوا يلتفتون إلى ما عند غيرهم من مظاهر الحياة، التي تخلب الألباب وتزلزل المبادئ والأفكار عند ضعفاء النفوس، ولهذا لم ينبهر الفاتحون المسلمون بما كان عند الروم والفرس من مظاهر المدنية الخلابة، والحياة المترفة، وما كانوا يتقلبون في أعطافه من نعيم العيش الدغفق كما هو واضح في جواب ربعي بن عامر له لرستم الفارسي قائد جيوش الإمبراطورية الساسانية عندما سأله ما الذي جاء بكم؟ فأجابه: «الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام مع أن رستم استقبل ربعيا بكل ما أمكنه من مظاهر الخيلاء وأنواع الزينة والبهرجة، وهي أمور لم تكن معهودة عند العرب، ولا كانت تدور بخلدهم أو يلمحه خيالهم، وقد كان متصورا حسب عادات الناس - كما يقول المفكر الإسلامي الكبير العلامة أبو الحسن الندوي في محاضرته التي سلط فيها الضوء على هذه الإجابة - أن ربعيا سيتحلب لسانه ويسيل لعابه عندما يشهد هذه المشاهد لم تكن تدور منه على بال لكنه كان بعكس ذلك، إذ أجاب بهذا الجواب الذي قطع على رستم تفكيره بأنه يستطيع التأثير عليه وعلى أصحابه بما يرونه من صورة الترف المفحش، وسيؤدي بهم الانبهار بذلك إلى أن تهن نفوسهم وتنهار قواهم أمام هذا التأثير المادي، ولكن النتيجة كانت عكس ذلك، وكانت هذه الكلمات القليلة التي جاءت في جواب ربعي تغني عن مجلدات في شرح مواقف الإسلام وأهدافه ومبادئه وغاياته، وهي كما قال ذلك المفكر الكبير: (لو وضعت على الجبال لتدكدكت، ولو وضعت على البحار لتبخرت فكيف لا تزعزع جيش العدو وتقهقره، ولو انتهى إلى أي رقم كان في كثرة العَدَدِ ووفرة العُدَدِ؟.
التي
(1) الطبري: تاريخ الطبري، 401/ 2، أبو الربيع الكلاعي: الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، 192/ 4، ابن كثير: البداية والنهاية،39/ 7، أحمد زكي: جمهرة خطب العرب
242/ 1