Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤224
نداء الحق
قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما، فكانوا أئمة يصلون بالناس، وقضاة يفصلون قضاياهم، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم، وأمنة لأموال المسلمين وخزنتهم، وقواداً يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب، وأمراء يباشرون إدارة البلاد ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله، وكان الواحد منهم في آن واحد تقيا زاهدا وبطلا مجاهدا، وقاضيا فهما، وفقيها مجتهدا وأميرا حازما وسياسيا محنكا، فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين، حوله جماعة ممن تخرجوا - إن صح التعبير - في هذه المدرسة، المدرسة النبوية، أو المسجد النبوي، أفرغوا في قالب واحد يحملون روحا واحدة، وتلقوا تربية واحدة، يستشيرهم الخليفة ويستعين بهم، فلا يقطع أمرا ذا بال حتى يشهدوه فسرت روحهم في المدنية ونظام الحكم وحياة الناس واجتماعهم وأخلاقهم، وانعكست ميولهم ورغباتهم في المدنية وظهرت خصائصهم فيها، فلا عداء بين الروح والمادة ولا صراع بين الدين والسياسة ولا تفريق بين الدين والدنيا ولا تجاذب بين المصالح والمبادئ ولا تزاحم بين الأغراض والأخلاق، ولا تناحر بين الطبقات ولا تنافس في الشهوات).
وقد أخذ بعد هؤلاء الوضع يتدحرج ويهوي إلى الحضيض عندما تسلم الزمام، من لم ينل حظا من هذه التربية، ولم يسعد بهذا التكوين، فانزلق في مهاوي هوى النفس، وتردى في مهالك الفتن التي أخذت تتنقص من الإسلام كل يوم حصة منه، كما صور ذلك العلامة الندوى بقوله:
ولكن من الأسف ومن سوء ء حظ العالم البشري أن تولى هذا المنصب الخطير رجال لم يكونوا له أكفاء، ولم يُعدوا له عدة، ولم يأخذوا له أهبة، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية كما تلقى الأولون وكثيرون في عصرهم وجيلهم، ولم
(1) المرجع السابق، ص 120.