نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

226

نداء الحق

وأصبحت السياسة مطلقة اليد حرة التصرف نافذة الكلمة صاحبة الأمر والنهي، ومن ثم أصبح رجال العلم والدين طبقة متميزة، ورجال الدنيا طبقة متميزة، والشقة بينهما شاسعة، وفي بعض الأحيان بينهما عداء وتنافس

6

نعم؛ في هذه الفترة الحالكة المظلمة التي لا يجد الإنسان فيها بصيصا من أمل يدعوه إلى التفاؤل بدأ جدار الدين يتصدع ومكانة الأمة تتضعضع، فكل من أراد أن يقوم بالدعوة إلى الإصلاح ولو تدريجيا نظر إليه شزرا، ووجه إليه الاتهام بالزندقة أو المروق، وكان فقهاء السياسة له بالمرصاد لإصدار الأحكام الجائرة في حقه تزلفا إلى الظلمة المستبدين ليكسبوا رضاهم ولينعموا بما يتساقط من أيديهم من فتات العيش الذي كان رغده حكرا على المستبدين، ومن دار في فلكهم، وقد صور العلامة الندوي وضع الناس في ظل هذه السياسة حيث قال: ولم يكن رجال الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق، بل كان في كثير منهم عروق للجاهلية ونزعاتها فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع، وأصبحوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم وميولهم، وزالت رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحسبة وفقدت حركة الأمر المعروف والنهي عن المنكر سلطانها، لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة، وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب، والدواعي إلى خلافها متوافرة قوية، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها، وأخلد الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتاراً، ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تُريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو، وتهافت على الملاهي والملذات، ونهمة للحياة الدنيا، وأسبابها، وبهذه السيرة، وبهذه الأخلاق المنحطة ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أن تؤدي رسالة الإسلام، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء، وتذكر بالله والآخرة

(1) المرجع السابق، ص 122.