نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٣٢

232

نداء الحق

وطوح بهم في مكان سحيق أقصاهم عن التصورات الصحيحة، والممارسات الموفقة، حتى أولئك الذين نشأوا في تلك العهود السابقة ولم يكونوا على دراية قط بالأشهر الشمسية والتأريخ الشمسي.

وقد مرت بي قصة طريفة في هذا، وهي أن جماعة من ملاك فلج بعينه ـ وهو قناة مائية أرضية يجري فيها ماء من جوف الأرض، يسقي البساتين والزروع - تشاجروا في تقسيم مياههم منه، وقد اعتاد الناس في عُمان منذ قديم الزمان قسمة هذه المياه بين ملاكها في الليل بمراقبة نجوم بعينها بحسب طلوعها وغروبها، وفي النهار يعتمدون على ما يسمونه المحاضرة، وهي خشبة ينصبونها وتقسم المياه اعتمادا على ظل هذه الخشبة فى ضوء الشمس قبل الزوال وبعده، وكثير من الناس استبدلوا بهاتين الوسيلتين الآن الاعتماد على مواقيت الساعة في قسمة المياه، وذلك أبعد عن الالتباس عندما تغيم السماء فتحجب النجوم وينعدم الظل، وقد كان أحد ملاك هذا الفلج يملك نصيبا وافرا من مياهه، وأراد الاعتماد على الساعة في قسمتها بدلا من الاعتماد على المحاضرة والنجوم، لما يعرو ذلك من لبس في وقت الغيوم، ولكن الشريحة الواسعة من شركائه عارضوا ذلك بشدة، وقد تحاكموا في هذا إلى محكمة ابتدائية ثم محكمة استئنافية، ثم ترافعوا بعد ذلك إلى لجنة تمعن نظرها في الأحكام السابقة، وكنت أحد أعضائها، فسألت أولئك المعارضين عما يريدون فقالوا: إنهم لا يرضون بالخروج عن العادة المألوفة المتوارثة عن الآباء والأجداد، فسألتهم عمن يتولى السقي، هل يتولونه بأنفسهم أو يكلونه إلى غيرهم؟ فأجابوا: أن الذين يسقون هم عمال وافدون. فرددت عليهم: وأنى للوافد أن يعرف المحاضرة والنجوم؟ وكيف إذا اختفت معالم المحاضرة بالغيم أو توارت وراءه النجوم؟.

ثم سألتهم: نحن في أي يوم من الشهر؟ فأجابوا في يوم كذا، وكلهم استحضروا الشهر الشمسي!! فردت عليهم لعلكم ترجعون البصر فتفكروا في تأريخ غير هذا، فعمي عليهم الأمر، وقلت لهم: عجبا من أمركم، تحرصون