Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦236
نداء الحق
النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، ومن التفرق إلى الاجتماع، وكان ذلك في عهد عمر بن الخطاب له، وأجمع على ذلك المسلمين، وعلى رأسهم المهاجرون والأنصار، الذين هم حجة الله في
جميع
أرضه،
المعلوم
أنه وقادة عباده إلى الرشد، ورادتهم في جميع مسالك الخير، مع من أن التأريخ الميلادي الذي حل في عقول الأمة اليوم وثقافتها محل التأريخ الهجري كان موجودا يومئذ ولم يكن يخفى على المسلمين، لأن منهم من كان من قبل على النصرانية أو كان على صلة بدولة الروم، ومع ذلك أعرضوا عنه وأجمعوا على التأريخ الجديد، لأنه رمز عزتهم وبه تتجدد ذكرى نهضتهم التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشلتهم من الضياع وجمعتهم بعد التفرق ووحدتهم
6
بعدما مزقتهم الفتن في الجاهلية، وبهذه الذكرى يستشعرون نعمة الله عليهم التي ذكرهم بها في قوله: ﴿ … وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آل عمران: 103، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَتَاوَنكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الأنفال: 36.
وأي مسلم لا يعتد بهذه الذكرى، ولا تنبعث بها في نفسه نخوة الإيمان وعزة الإسلام؟! وأي ذكرى أحق منها بالاعتداد والاعتزاز والإحياء والتجديد؟! ولكن الأمراض النفسية الناشئة عما يصيب الناس من مركب
النقص تعمي النفوس عن بصيرتها وتضلها عن هداها، فبعد الإجماع القولي والعملي الذي استمرت عليه الأمة مدة تتجاوز ثلاثة عشر قرنا رزئت بهذا الانتكاس، فتخلت عن معقد عزها ومبعث مجدها، وانجرت وراء الآخرين ظانة أنها بذلك تسد ثلمتها وتجبر كسرها حتى أصبح التأريخ الهجري عندها رمز الرجعية والتخلف، واستمرت الأمة في هذا الانحدار إلى غاية لا يعلمها إلا الله، وهي غير لاوية على غير لاوية على شيء من أصوات المخلصين من أبنائها، الذين