Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦256
نداء الحق
إمام الأدب العربي في كتابه الفريد إعجاز القرآن والبلاغة النبوية عن تأثير هذا القرآن على جميع الشعوب عربا وعجما، واستثارته غيرتهم على لغته من أعماقها، فقال: وإن من أعجب ما يروعنا من أمر الجنسية العربية في القرآن: أنها تأبى إلا أن تحفظ على أهلها تلك الصفات العربية؛ من الأنفة والعزة والصوت والغَلَب وما يكون من هذا الباعث الاجتماعي الذي لا يزال يفتح للشعوب عن مقاصير الأرض.
كما أنها تستبقي طاعة المغلوبين الذين أعطوا للفاتحين عن أيديهم، وانطرحوا في غمرهم وكانوا أهل ذمتهم لانتحالهم العربية طوعاً أو كرهاً، ثم بقائها في ألسنتهم على نسبة بينة من الفصيح مهما ركت ومهما رذلت؛ ولولا القرآن وأنه على وجه واحد وهيئة ثابتة ما بقيت العرب، ولا تبينت النسبة بين فروعها العامية، بل لذهب كل فرع بما أحدث من الألفاظ، وما استجد من ضروب العبارة وأساليبها، حتى يتسلل كل قوم من هذه الجنسية إن كانوا من أهلها أو من أهل ذمتها، ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من الارتباط (1) اهـ.
وهذا يعني دينهم
أن الله سبحانه قد حفظ بالقرآن لغة العرب، كما حفظ به
الحنيف، فلولا تشريف الله لسانهم بإنزال القرآن به وخطاب
العالمين بهدايته لما بقيت لهم لغة ولا حفظ لهم أدب، وإنما حظيت هذه اللغة بما لم تحظ به لغة سواها من العناية بها وحفظ تراثها بسبب القرآن، ولولاه لمزقتها ألسنة العرب أنفسهم حتى تذهب مع الزمن، فتصبح أثرا بعد عين ثم خبرا بعد أثر، فلأجل القرآن وحده تزاحمت الركب عليها و تنافست الهمم في الدفاع عنها، فكانت هذه التضحيات من العرب والعجم على السواء.
(1) الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص 64.