نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٥٧

المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان

257

اللغة جنسية تجمع الشتيت من الناس وإن تعددت أصولهم النسبية قد علمت مما مرَّ أن اللغة جنسية تنضوي تحتها أجناس البشر، فيتوحد بها فكرهم ووجهتهم وتحيا بها هواجسهم ومشاعرهم، وقد أدركت ذلك الأمم الغالبة ففرضت على مغلوبيهم ألسنتهم، وأثاروا عواطفهم تجاهها؛ ليتنافسوا في ميادينها، ويتسابقوا في اقتناء آدابها، لأنها كانت الوسيلة إلى بث أفكارهم فيما بين أولئك المغلوبين ليأسروا قلوبهم ويستحوذوا على عقولهم، وهذه الظاهرة لا تخفى على من عرف سياسة المستعمرين في الشعوب المستعمرة. وقد شاء الله سبحانه أن يكون بث الخير الذي أراده للإنسانية بنشر هذا اللسان العربي فيما بين شعوبها، لتصل به إلى هذه الهداية وتسمو به إلى هذا الشرف، وكان هذا الخطاب العالمي من الله سبحانه لعباده بهذا اللسان، كما أنهم مطالبون بأن يتوجهوا به إليه في مناجاتهم الله سبحانه في الصلوات والأذكار، فكل منهم يجري على لسانه ما يعتمل بين حنايا قلبه عندما يخاطب الله تعالى بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الفاتحة: ه، ولا يجد أحدهم حرجا في نفسه أن يجعل من هذا اللسان وسيلته إلى العلم والأدب وجميع أنواع المزايا والفضائل، وهذا ما سجلته أقلامهم وفاضت به قرائحهم كمثل الفيروز أبادي صاحب أشهر معجم عربي مع كونه أعجمي المحتد، فقد كان فخورا بإنجازه في الحفاظ على اللسان العربي، ومما قاله في ذلك: «وإن بيان الشريعة لما كان مصدره عن لسان العرب، وكان العمل بموجبه لا يصح إلا بإحكام العلم بمقدمته، وجب على روام العلم وطلاب الأثر، أن يجعلوا عظم اجتهادهم واعتمادهم، وأن يصرفوا جل عنايتهم في ارتيادهم إلى علم اللغة والمعرفة بوجوهها، والوقوف على مثلها ورسومها.

وقد عني به من الخلف والسلف في كل عصر عصابة، هم أهل الإصابة، أحرزوا دقائقه، وأبرزوا حقائقه وعمروا، دمنه وفرعوا قننه، وقنصوا شوارده،

6