Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨258
نداء الحق
ونظموا قلائده، وأرهفوا مخاذم، البراعة، وأرعفوا مخاطم اليراعة، فألفوا وأفادوا، وصنفوا وأجادوا، وبلغوا من المقاصد قاصيتها، وملكوا من المحاسن
ناصيتها، جزاهم الله رضوانه، وأحلهم من رياض القدس ميطانه» اهـ).
ومثل ذلك قول الزمخشري إمام البلاغة العربية في فاتحة كتابه المفصل: الله أحمد على أن جعلني من علماء، العربية وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز وعصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بألسنة اللاعنين، والمشق بأسنة الطاعنين» اهـ (2).
وقد استفرغوا في هذا جهودهم وبذلوا من أجله مهجهم،، فكان من آثارهم هذا التراث العربي الزاخر، الذي تتحفنا دور النشر كل يوم منه بجديد، وما ذلك إلا لما لهذا اللسان من فضل على الناس بما جعل الله لهم فيه من خير الدنيا والآخرة، وما حصل لهم بسببه من الزلفى إليه في المسير والمصير.
الزهد في اللغة العربية مرض أصاب الأمة لا سيما العرب غير أن الناس ـ ولا سيما العرب - أصبحوا زهادا في هذا اللسان، لا يعيرونه اهتمامهم ولا يحركون من أجله عنايتهم، وإنما استعاضوا عنه لسان من بزهم في القوة، فأمسك بنواصيهم وأخذ بتلابيبهم، ففي ميدانه يتسابقون ولأجل إتقانه يتنافسون، حتى أنهم لا يعنيهم أن ينشئوا ناشئتهم على لغة العرب، بل يجتلبون المربيات لهم لتنشئهم على اللسان الأجنبي، ولا يفكرون إن سرى إليهم مع هذا اللسان الدخيل فكر أهله وأخلاقهم وآدابهم، وتطبعوا بعاداتهم حتى تصبح حياتهم صورة من حياتهم، كأنما ولدوا من أرحامهم وتتابعوا في أصلابهم، فإنه من المعلوم أن ضياع الألسنة إنما هو ضياع للأمم
(1) الفيروزآبادي: القاموس المحيط، 26/ 1.
(2) الزمخشري: المفصل في صنعة الإعراب، ص 17.