Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣المحور الحادي عشر: فيما يتعلق بالبيان
263
ولعمر الحق إن مما يدعو إلى الحسرة والأسى أن يهمل العرب والمسلمون اللغة العربية التي حفظ الله بها دينه وأتم بإنزاله كتابه بها نعمته عليهم، ويؤثروا عليها اللغات الأجنبية في دراسة العلوم الإنسانية، مع أن مثل هذا التصرف يعد نكوصا وهويا إلى الحضيض عند الأمم والشعوب الأخرى، فقد أخبرني أحد العُمانيين - الذين تلقوا العلم بالجامعة الأردنية ـ أن وفدا كوريا مؤلفا من طلبة الجامعات وأساتذتها زار هذه الجامعة إبان وجود هذا الطالب العُماني فيها، وأن سؤالا طرح على الوفد الزائر مضمونه أنهم: (بأي لغة يدرسون العلوم في جامعاتهم؟).
فكانت الإجابة مصدرة بتعجب من طرح هذا السؤال، وكأنهم شعروا بغباء السائل، وذلك أنهم قالوا: بأي لغة عسانا أن ندرس العلوم؟! ألسنا شعبا مستقلا له لغته وثقافته وتأريخه وحضارته؟! فكيف نعدل عن لغتنا التي نعتز بها إلى لغات أخرى؟!.
وفي طي هذه الإجابة ما لا يخفى على ذي بصر أن القوم شعروا بأن طرح السؤال إما أن يكون ناشئا عن إحساس السائل بأن أمته وقومه معدمون من كل ما عساهم يعتزون به من تأريخ أو قومية أو حضارة، وأن لغتهم مهملة ما بقي لها مكان بين الشعوب المتحضرة إلا أن تطرح في مزابل التأريخ، وهو يقيس سائر الشعوب والأمم على حالته المتدنية السافلة، وإما أن يكون ناشئا عن غبش في التصور وجمود في الإدراك وضيق في الإلمام بأحوال الشعوب والأمم، فلذلك طرح هذا السؤال.
وإذا كان هذا الاستنكاف من التدريس بغير اللغة القومية ينبعث من أصحاب لغة لا يصل عدد المتحدثين بها إلى سبعين مليون نسمة، ولا تقارب الأرض التي تنتشر فيها ربع مليون كيلومتر مربع، فما بالك بلغة يتحدث بها أكثر من ثلاثمائة مليون عربي ويرتبط بها أكثر من مليار ونصف المليار من