Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٧٩المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
279
قال تعالى له: {فَلَعَلَّكَ بَخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) الكهف: 6، وقال: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) الشعراء: 3، وهو من حرصه على شيوع الخير بين الناس وقبولهم للهدى وتجنبهم ما يؤدي بهم إلى الردى كان يكبر عليه أن يعرضوا عن الحق ويصدوا عنه، فيحمل نفسه من هموم ذلك ما يكاد يبخعه أي، يهلكه وهذا من رحمته البالغة وشفقته على عباد الله، وقد أخبر بهذا عن نفسه عندما وصف حاله بقوله: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي).
وقد خشي المتعصبون في الغرب من ظهور دعوته وانتشار دينه فنسجوا حوله من أقوال الزور ما خيل إليهم أنهم بذلك قادرون على حجب نوره أن يسطع على العقول فيبصرها من العمى ويهديها إلى الهدى، ولكن أخفقوا، فقد أدرك ذوا البصائر منهم أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان أسمى قدرا وأجل شأنا وأرفع مكانا من كل ما يتصوره البشر، وبعد دراسة واسعة في هذا الميدان تضافرت عليها جهود الباحثين منهم توصلوا إلى هذه النتيجة: «أن محمدا كان سليم الفطرة كامل العقل كريم الأخلاق، صادق الحديث، عفيف النفس، قنوعا بالقليل من الرزق غير طموح بالمال، ولا جنوح إلى الملك، ولم يعن بما كان يعني به قومه من الفخر، والمباراة في تحبير الخطب ولا قرض الشعر، وكان يمقت ما كانوا عليه من الشرك وخرافات الوثنية، ويحتقر ما يتنافسون فيه من الشهوات البهيمية كالخمر والميسر وأكل أموال الناس بالباطل، وبهذا كله وبما ثبت من سيرته ويقينه بعد النبوة جزموا بأنه كان صادقا فيما ادعاه بعد استكمال الأربعين من سنه من رؤية ملك الوحي، وإقرائه إياه هذا القرآن،
وإنبائه بأنه رسول من الله لهداية قومه فسائر الناس (2).
(1) أخرجه الطيالسي (ص 246، رقم 1784)، وأحمد (392/ 3، رقم 15250)، ومسلم (1790/ 4، رقم 2285). (2) محمد رشيد: رضا الوحي المحمدي، ص 56.