نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٨٣

المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق

283

التي يشتركون في الانتهاء إليها، وعندئذ يفترقون فينتهي كل أحد إلى مصيره الذي يتناسب مع ما كان عليه في مسيره، والله وحده هو المنفرد بالبقاء الأبدي كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} القصص: 88، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن: 26 - 27، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا سبب إلا التقوى، فمن وصل نفسه بحبلها فهو الموصول بالله ومن انفصم عنها لم يكن بينه وبين الله تعالى اتصال.

جملة التوحيد كافية في ترسيخ هذه المعاني:

كل هذه الحقائق تندرج في جملة التوحيد التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دعا إليها الرسل من قبله، {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) البقرة: 163، ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَنَكُمْ﴾ محمد: 19، فإذا استقرت هذه الحقائق في فكر أحد ووجدانه تفاعل معها في أخذه وعطائه، وسلمه وحربه، ورضاه وغضبه، فكانت حياته كلها تحفة ربانية، معدنها التقوى وزينتها الأخلاق، فلا يعود نشاز بينه وبينه بني جنسه إلا من شذ منهم، فانفرط من هذا العقد وانسلخ من هذه الحلية.

العبادات والشرائع كلها مؤدية إلى هذه الغاية

:

كل ما يؤمر به في الإسلام من عبادة أو يشرع له من حكم، فهو يدور في هذا الفلك، ويرجع إلى هذا الأصل؛ لأن غاية ذلك كله ترسيخ الأخلاق العالية في نفوس العابدين والطائعين، وتطبيع النفوس على التسليم لأمر الله والاستجابة لحكمه والانقياد لطاعته، وتحقيق النفع لعباده.

فالعبادات - وإن كانت صلات بين العابد والمعبود - هي عوامل في تهيئة النفوس للالتقاء في ظل الطاعة المطلقة للمعبود والتواد والتراحم فيه والتواضع لكبريائه، حتى لا يستعلي بعضها على بعض، والتآلف حتى لا تتنافر في شيء،