Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٠نداء الحق
وقد نص العلماء على أن من حرمة القرآن أن لا يترك على الأرض كما قال القرطبي: «ومن حرمته أن يضعه في حجره إذا قرأه أو على شي بين يديه ولا يضعه بالأرض»)، لكن الناس في غفلة عن رعاية هذه الحرمات، فكم انتهكت على مسمع ومرأى من جماهيرهم، فكأين رأينا في أيام الجمع المصاحف مبثوثة على الأرض في المساجد أمام صفوف المصلين!! ليتناول من شاء منهم متي أراد، كأن هذه المصاحف مجرد أدوات تلقى في أي مكان كان، أو كأنها أعلاف تلقى على الأرض أمام الماشية!!.
مصحفا
بين
ولا تسأل كيف يتصرف مع كتب العلم - سواء كتب التفسير أو الحديث أو الفقه أو غيرها ـ كأنها مستودعات لإلقاء الأشياء فيها، فترى أحدهم يخرج هاتفه النقال ويدعه فوق الكتاب، وكذلك إن خلع نظارته عن عينيه تركها على الكتاب الذي بين يديه فضلا عن آلات الكتابة وقد انتشرت هذه العادة الناس حتى تخالهم أنهم تواصوا بها، ناهيك أن الخاصة والعلماء لا يتأففون منها ولا يستنكفونها، بل يقعون فيها، وقد نبهت أحدهم على ذلك المرة بعد المرة، وكان يسلم بأن هذا التصرف خطأ، ولكن لا يلبث أن يعود إليه. ولا أزال أذكر قبل ما يقرب من نصف قرن من الزمن، أن جماعة من الناس جاؤوا من مكان بعيد ونزلوا بمنزلي في مجلس استقبال الزوار، وكانوا يبيتون هنالك، وكنت في كل صباح أجدهم قد وضعوا ساعتهم المنبهة فوق كتاب من كتب التفسير التي كانت في رفوف المجلس، فعجبت من هذا التصرف مع أنه كان من بينهم من يوسم بالفضل والعلم.
ومن العجيب أن يألف الناس هذه العادة كأنهم لا يجدون مستقرا ومستودعا لأدواتهم إلا ظهور الكتب أو بطونها، وأن يسكت عن ذلك أهل العلم بل هم يشاركون فيه الجهلة! كأنما لم يعرفوا قط أن لتلك الكتب حرمة
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 28/ 1.