Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
285
الخمس كمثل نهر جار عذب على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فما يبقى ذلك من الدنس)، وقد أراد صلوات الله وسلامه عليه بهذا القول الجزل والتصوير البليغ أن يقرب إلي الأفهام ما للصلاة من أثر على النفوس، وتطهير للبواطن وتزكية للأخلاق وتربية للضمائر، فصورها تصويرا حسيا، لأن النفوس أوعى للمحسوسات وأقرب إلى إدراكها، فشبه الصلاة بالنهر الغمر على باب الإنسان، يتردد إليه في كل يوم وليلة خمس مرات لينقي جسمه مما عسى أن يلحقه من الغبار أو يلتصق به من الأدران، فإن من تعهد هذا النهر بتردده إليه وارتمائه في معينه وعرك جسمه بمائه الثجاج لا يبقى من أثر الأدران على بدنه شيء. وكذلك الصلوات الخمس مع ما بينهما من التفاوت في التأثير والتباين فيما يصل إليه، فالنهر إنما ينقي ظاهر الجسم ولا يلج إلى باطنه، بينما الصلاة تنقي الروح وتتغلغل في أعماقها، وتسري في جوانب النفس، فلا تدع فيها ما يكدرها أو يشينها، وشتان بين الروح والجسم وبين الباطن والظاهر، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا البيان البليغ التنبيه على ما للصلاة من أثر، وقد يكون التنبيه على الأمر الجلل بالإشارة إلى طرف منه كما ضرب الله مثلا لنوره الذي لا يضاهيه شيء بمشكاة فيها مصباح.
وإذا كانت الصلاة بما لها من قوة روحية تلج في أعماق النفس فتزكيها تزكية لا تدع معها شائبة إلا خلصتها منها، فإنها - بلا ريب ـ تعدم منها رذائل الطباع ومساوئ الأخلاق، وتنشئ فيها فضائل الطباع ومحاسن الأخلاق، وكيف لا تكون كذلك وكل كلمة من كلماتها تعد بنفسها نبعا رقراقا طهورا يأتي على ما في النفس من الأدناس والأقذار، ناهيك بفاتحتها وهي تكبير الله تعالى، فإنه
(1) من طريق جابر: أخرجه أحمد (317/ 3 رقم 14448)، وعبد بن حميد (ص 312، رقم 1014)، والدارمي (283/ 1 رقم 1182)، ومسلم (463/ 1، رقم (668)، وابن حبان (12/ 5، رقم 1725)، ومن طريق أنس: أخرجه أبو يعلى (67/ 7، رقم 3988)، ومن طريق أبي أمامة: أخرجه الطبراني (164/ 8، رقم 7684)، والبيهقي (63/ 3، رقم 4752). وأبو يعلى (445/ 3، رقم 1941).