Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
287
الله
وأي خلق أسمى من هذا الخلق الذي يتخلق به العبد، وهو بين يدي تعالى ماحضا له إخلاصه ومخلصا له عبادته وعبوديته؟ ولا فرق في ذلك بين أن يكون من هذا الفريق أو ذاك، فإن كلا منهم إن لم يخلص الله تعالى عبوديته وعبادته كان عبدا لشهواته ورغباته ونزعاته ونزغاته ومخاوفه ومطامعه، وإنما يسمو على ذلك من ارتقى في مقامات العبودية لله.
وإذا التقت جميع الطبقات في هذا المقام العالي تحطمت بينها الحواجز، وزالت بينها الفوارق وانعدمت في حياتها النعرات، وتآلفت في ذات الله تعالى
حتى تكون كالنفس الواحدة في شعورها وإحساسها، وأملها وألمها.
وهذا يتجسد في أداء الصلاة عندما يجتمع المصلون فيقفون موقفا واحدا بين يدي الله سبحانه، لا تمييز بينهم بعنصرية ولا طبقية، ينتظمون في حركاتهم فيركعون معا، ويرفعون معا، ويسجدون معا، ويرفعون معا، فإن استصحبوا مع هذا روح الصلاة ـ وهي الخشوع فيها جميعا - كان لذلك أثر في تزكية نفوسهم والقضاء على ما يلابسها من الغرور والافتتان بمظاهر الحياة الدنيا وزخرفها، وانتزاع كل ما يلابسها من الشعور بالتميز على الغير والرفعة فوق أقدار الناس فيتطامن كل من يبدو للناس بأنه رفيع القدر عظيم القدر عظيم الشأن بينهم، فلا يتعالى
أنه
على غيره من الخلق ولا يغمطهم ما كتب الله لهم من الحق، بل يحس أحوج إلى الانسجام معهم، والانخراط في سلكهم، ومعاملتهم جميعا بالحسنى، وبهذا الشعور نفسه يأبى التصاغر للناس من كان ـ حسب ظاهر حاله - نازل القدر حقير الشأن، إذ لا يحس بفرق بينه وبين الآخرين، فهو واحد منهم في العنصر والمبدأ والمآل، وكلهم سواسية في التكليف، ومتحدون في الجزاء، {مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَمِ لِلْعَبِيدِ) فصلت: 46 ولا يتفاضلون إلا بما يتميزون به من تقوى الله تعالى، والتحلي بمكارم الأخلاق، فلا يبقى بهذا مجال للتفريق بين الرفيع والوضيع، ولا للتمييز بين الأصيل والهجين فلا يحجز بعضهم عن بعض حاجز من نعرات الجاهلية
صلے