Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠290
نداء الحق
عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) الفجر: 17 - 18، وهو دال - بلا ريب ـ أن النجاة من هذا الوعيد لا تكون ببسط الإنسان يده بالمعروف، مع إهماله حض الآخرين على ذلك، وإنما عليه ـ إن أراد النجاة من الهلكة ـ أن يحض غيره على بسط اليد بالإحسان مع سبقه إلى ذلك، ومهما كان من قيام المجتمع المسلم بهذا الواجب التكافلي، فإن عليهم دائما أن يتحاضوا على ذلك لتستمر هذه الحالة
فيهم وفي أعقابهم، بحيث تكون صفة لازمة لا تنفك عن أحد منهم.
وفي نهج السلف الصالح له أسوة حسنة في ذلك، ناهيك ما كان من الأنصار - رضوان الله تعالى عليهم - الذين آووا إخوانهم المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، فقد بوأوهم في دورهم مبوأ أنفسهم، وأشركوهم في أموالهم، وخيروهم فيما يختارونه منها، وآثروهم على أنفسهم وأهليهم وأفلاذ، أكبادهم مع ما كان ينتابهم من الخصاصة. وهذا دليل على مبلغ الإيمان في نفوس أولئك السلف، فقد خلصهم من كل ما كان في جاهليتهم من تفشي الطباع - التي تستولي على قلوب الناس وتتحكم في تصرفاتهم - من الانجذاب إلى زخرف الحياة والاستئسار لشهوة المال الجامحة، والإخلاد إلى الدنيا، ونعيمها، والحرص على الاستئثار بخيراتها، فقد حولهم الإيمان إلى أمة أخرى كأنه طواهم ثم نشرهم بطبائع ليست من جنس طباع البشر المعهودة، أو كأنه بدأ يسري في نفوسهم قرونا وقرونا، وهم في أصلاب آبائهم أو أرحام أمهاتهم، يغذيهم بهذه الروح، ويخلصهم بها من شوائب ما كانوا عليه من خصال، حتى إذا ما صفت طباعهم، وسمت نفوسهم، وارتقت أخلاقهم، أخرجهم خلقا، آخر، فبرزوا للوجود بهذه الخصال. وليس للناس اليوم أن يدعوا أن هؤلاء ارتقوا مرتقى صعبا في معارج يعز على من بعدهم أن يرقى إليه، فإن أولئك إنما خرجوا من جاهلية
الأخلاق
جهلاء، فتحولوا من النقيض إلى النقيض بتأثير القرآن في نفوسهم، ورقي