Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٩٢292
نداء الحق
والفرق بين هذا الحق وحق الزكاة أن الزكاة إنما تجب في أصناف مخصوصة من المال كالنقدين والأنعام والحبوب المقتات بها وكذلك التجارة وهي مقيدة ببلوغ النصاب، ومرور الحول في غير الثمار، والمخرج منها نسبة محددة من القدر الذي ينتهي إليه المال، بينما الحقوق الأخرى لا تتقيد بصنف ولا نصاب ولا زمان ولا يحدد ما يخرج منها بنسبة معينة، وإنما هي موكولة إلى ضمائر أهل الخير بقدر ما يرونه من حاجة المحتاجين، وما يمكنهم الاستغناء عنه في الحال مما بأيديهم من المال.
والمتأمل في أصناف المال الذي يزكي يجد أن كل صنف منه تتطلع إليه نفوس الفقراء، وتشرئب إليه أعناقهم، لأنه مما لا يكاد يستغنى عنه، فبهيمة الأنعام والحبوب المقتاتة لا يكاد يستغنى عنها في الغذاء، والنقدان وما يحل محلهما تقضى بها الأوطار، ويتوصل بها إلى تبادل المنافع، فلذلك خصت بهذا الحق المشروع المحبب دون سائر الأصناف التي وكل إنفاقها إلى نظر أهليها.
ولا يخفى ما للزكاة من أثر على نفوس معطيها وآخذيها، فهي كما تزكي نفوس المعطين، تسمو أيضا بنفوس الآخذين لأنها تقضي مآربهم وتشعرهم بشركتهم في منافع أموال إخوانهم الأغنياء، فتستل من قلوبهم السخائم والأحقاد وتحل المودة والشفقة والحنان والانسجام محل الشنآن والقسوة والغلظة والتنافر، فيتعاطف الجانبان وتتحطم الحواجز بينهما بردم هذه الهوة
الفاصلة بين أحوالهما.
ـ الصيام: هو مدرسة يتدرب فيها الصائم على كل ما يزكي خلقه، ويهذب نفسه ويعرج بروحه في مقامات، الخير وهو يمحق كل ما اعتاده المرء من الخصال السيئة والعادات المذمومة، وبقدر هذه التخلية منها تتحلى نفسه بمحامد