نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق

293

الخصال، وتتعود على أحسن العادات، فهو من ناحية يفطم النفس عن شهواتها المألوفة، ويعودها حسن الرقابة في وقت يعز فيه الرقيب من الناس، وإنما يمتلئ الصائم بالإحساس برقابة الله تعالى ورقابة من أمر برقابته من الكرام الكاتبين، فيظل شعوره مفعما بهذا الإحساس، ويجعله ذلك يعتاد دائما خشية الله تعالى ورجاءه والتعلق به.

على أن الصيام لا يعود الصائم ترك شهواته من الطعام والشراب، وقضاء الوطر بين الأزواج فحسب، ويجرد من نفسه رقيبا على نفسه في ذلك، وإنما بجانب هذا يقيد كل جارحة من جوارحه حتى لا تكتسب سوءا قط، فهو يقيد اللسان عن كل محظور من القول ويراقبها لئلا يصدر عنها كذب أو نميمة أو اغتياب أو تنقيص للغير أو أي باطل من القول، ويراقب السمع، فلا ينصت إلى شيء من ذلك، ويراقب البصر، فلا ينطلق في النطق في مجالات مجالات محارم الله تعالى، بل يتقيد بقول الحق الذي يرضي الله ويراقب اليد، فلا تأخذ حراما ولا تعطيه، ولا تبطش بغير حق، ويراقب الرجل، فلا تقدم على الخطو في غير ما أذن الله به.

وهذه الرقابة تظل في اعتياد الصائم حتى حين الفطر، لأن من اعتاد على شيء هان عليه، وهذا كله إنما يعود إلى مدلول التقوى التي جعلها الله غاية في فرض الصيام عندما قال: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183، فما أوسع مدلول التقوى، فإن مدلولها إن كان لغة بمعنى التجنب، والابتعاد فهو شرعا: تجنب كل ما يسخط الله بعدم التفريط في نواهيه، ولا الاستخفاف بأوامره، فلا يدع مأمورا به إلا وفاه حقه في أدائه ولا منهيا عنه إلا جعل بينه وبينه حاجزا منيعا يمنعه من الحوم حول حماه، وقد أكد ما دلت عليه الآية ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعند الربيع حمدالله من طريق ابن عباس ما عن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

6