Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦296
نداء الحق
6
أزيائهم،
الكل يلهجون بقول واحد ويتحدون في هيئة واحدة، متخلين عن تاركين لشعاراتهم، مستأنسين بالله تعالى مستوحشين من كل ما يشغل عنه، ولو كان من أعز الأشياء على النفس، وأحبها إلى القلب، فالكل يستجيب الله لاهجا بلسانه ما ينبعث من أعماق قلبه من حب التوجه إلى الله
لداعي
تعالى، فيقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وهو يعني التوجه إلى الله سبحانه بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، فيتخلص بهذا من كل عادة مذمومة وخصلة رذلة، جاعلا رضى الله تعالى نصب عينيه ومطمح نفسه، سالكا إلى ذلك طريقه بطاعته في كل ما أمر به أو نهى عنه، لا يلوي على شيء من شهوات النفس ونزعاتها، ولا يتأثر بما يعرض له من وساوس الشيطان ونزغاته، فلا يستجيب لنزوة طائشة ولا لرغبة جامحة، ولا لعصبية ممقوتة، ولا لشيء من مؤثرات النفس أو البيئة أو المجتمع، وإنما يوجه وجهته إلى الله، مودعا حياته الأولى، وما كان فيها من انحراف عن القصد، أو إخلاد إلى الأرض، أو ميل إلى الدنيا، أو انجذاب إلى شيء من زخرفها وزينتها، فلا يقيم وزنا إلا لما فيه رضى الله ولا يلتفت إلى علاقة إلا ما كان أساسه حكم الله، ويزن كل ما يصدر منه بموازين الله تعالى، لأنه جرد فكره وسلوكه، ونطقه وعمله ودينه وخلقه، ومحياه ومماته ودنياه، وأخراه فجعلها جميعا الله الذي لبى نداءه نافيا أن يكون له أي شريك في ذلك.
وهو شعيرة مقدسة تصل القلوب ببارئها سبحانه وتبعث في النفس عزائم التقوى، وتقوي فيها دواعي الإحسان، فتقرب بين النفوس المتباعدة، وتؤلف بين القلوب المتنافرة، وتفتح آفاقا من التعارف والاطلاع على ما تنوء به الأمة من مشكلاتها وما تحتاجه من الحلول التي لا تتم إلا بتعاون فئاتها، وتلاقح أفكارها، وتعاطف قلوبها والقضاء على كل ما يعكر صفوها، حتى تكون كقلب رجل واحد كما قال: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم