Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٠٢302
نداء الحق
ولا يخفى أن تعالي الناس بالأحساب والأنساب مما يعمي قلوبهم عن معدنهم الذي يشتركون فيه جميعا، وهو مما يشيع فيهم تحقير بعضهم لبعض، وسخرية بعضهم من بعض، ولذلك كان هذا النهي بمثابة التأصيل لما تقدم. هذا وقد نصت أحاديث النبي على ما يطلب من المؤمن من التعامل بالأخلاق مع الناس جميعا، فعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة لك، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة» (1).
فانظر كيف توسع النبي صلى الله عليه وسلم في مدلول الصدقة، فجعل كل ما يفضي إلى إيناس المسلم أو منفعته في دينه أو دنياه صدقة، فلأن يلقى المسلم أخاه بوجه طلق المحيا منبسط الأسارير باسم الثغر هو من الصدقات التي تقرب إلى الله، لما في ذلك من إيناسه وإبعاد الوحشة عنه، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما يتحقق بهما من مصالح الدين، وكذلك إرشاد الغير في أرض الضلالة، أو عون رديء البصر، أو إماطة كل أذى من الطريق أو الإفراغ في دلو الغير، وفي هذا ما يرمز إلى أن كل ما يستأنس به الغير أو ينتفع به فهو من الصدقات، ولا يخفى على اللبيب ما في هذا من إشاعة المعروف بين الناس، وبسط الأنس لهم، وهذه الأخلاق التي تزكو بها النفوس وتأتلف بها القلوب، وتؤلف النافر وتقرب
هي
الشارد ليكون الناس عصبة واحدة تتعاون على البر وتتكاتف على الإحسان. وقد حض النبي على تفادي كل ما يؤدي إلى الوحشة والنفور، والحرص على كل ما يؤدي إلى الألفة والوفاق بين الناس، وقد سبق ذكر طائفة من الأحاديث المتعلقة بذلك في المحور السابع فارجع إليه.
(1) أخرجه البيهقي: (66/ 5 رقم: 3105).