Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥المحور الثاني عشر: فيما يتعلق بالأخلاق
305
الخشنة، وأن يتذكر عندما كان طفلا ناشئا يتقلب بين أحضانهما ولا يتضجران من أي شيء يصدر منه بل كانا يغمرانه بعطفهما وحنانهما، وبرهما وإحسانهما، ويحوطانه بحسن رعايتهما، ويفديه كل منهما بنفسه، فيسهر لينام، ويجوع ليشبع، ويظمأ ليروى، وينصب ليرتاح وهما مع ذلك تنهمر دعواتهما له ليحفظه الله من كل سوء، ويبارك في حياته، ويمد في عمره، ويمنحه القوة، ويکسوه العزة والشرف.
6
ولو خير أحدهما أن تمتد حياته أو حياة طفله لآثر امتداد حياة طفله ولو لقي حتفه في سبيل ذلك، فما كان له وقد تحقق ما كانا يصبوان إليه من قوته وفتوته وشبابه ويفاعه أن يجزي هذا الإحسان منهما بالعقوق والإساءة، وقد أخذا في الانتكاس في الخلق والعودة إلى الضعف الشيبة، وإنما عليه أن مع يتحمل كل ما يلقاه من جفاء في معاملتهما، يفرزه كبرهما وضعفهما، وأن يشكر الله تعالى على ما من عليه من طول حياتهما لتكون سببا لفوزه بالأجور. ومثل ذلك قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا .... الأحقاف: 15، وفي هذه الآية الكريمة مع توصية الإنسان بوالديه جميعا إشارة لطيفة إلى ما تتميز به الأم من الحقوق، وما يجب لها من مضاعفة الإحسان، فمع التوصية بهما جميعا ذكر الله تعالى ما قدمته من التضحيات الجسيمة، وما عانته من المشاق العظيمة منذ بداية حملها به إلى حين فصاله من الرضاع فكم أرهقها حمله ونغص عليها متعة الحياة في ليلها ونهارها فكان سببا لسهرها، وقد تغذى إبان ذلك بخلاصة دمها حتى نما في أحشائها وترعرع ثم عانت في وضعه ما عانت من مشاق الولادة التي لا تتصور، ولم يكن خروجها منها إلى ارتياح واسترخاء، وإنما كان انتقالا من مشقة إلى مشقة، ومن تعب إلى تعب آخر، فكم أسهر ليلها ببكائه وعويله، ناهيك بهمها عندما يلم به أي سقم أو ينزل به أي بلاء،
فإنها تكون أشد سقما وأعظم بلاء منه، وهو يتغذى في هذه المدة بما يفرزه