Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦306
نداء الحق
جسمها من خلاصة ما تتغذى به فيتحول إلى دم نقي ثم إلى لبن خالص من جميع الشوائب، هو أصح وأمتع ما يتغذى به الأطفال.
وبعد فطامه لا تخلد إلى الدعة والراحة بل تظل عينها ساهرة عليه، وقلبها يخفق من أجله، ومشاعر الأمومة تحوطه من كل جانب وعلى كل حال، فإن حضر لم يهدأ لها بال حتى تراقب أي شيء من حوله لئلا يزعجه شيء، وإن غاب انتقل معه قلبها وظلت واردات الأفكار تزعجها، فلا يهدأ لها بال أيضا حتى يعود إليها سالما مطمئنا كيف وهو قرة عينها وفلذة كبدها ومحط آمالها وهكذا تظل رعايتها تكتنفه وإن كبر وشاخ، إذ يظل في نفسها كما كان في طفولته.
فما كان له أن يتجاهل هذه التضحيات العظيمة بعد أن يترعرع ويقوى ويصلب عوده ويضعف عودها، وكذلك الأب الحاني فهو ـ بلا ريب ـ أساس تربيته، لأنه العين الساهرة عليه يرعى أخلاقه وشمائله، ويهذب فكره وآدابه، ويؤثره على نفسه بكل غال وثمين عنده ويري حياته امتدادا لحياته وشبابه امتدادا لشبابه، كما قال الشاعر:
وقلت شباب ابني شبابي وإنما تحول شطر العمر مني إلى شطري فلذلك يؤثر صحة ولده على صحته وراحته على راحته، ويسره على يسره،
ويتمناه دائما أن يكون أرقى منه خلقا، وأغزر منه علما، وأجمل منه حالا. ولا ريب أنهما يفوقان سائر أهل الحقوق من البشر في حقوقهما، وإن كانت للأم مزية على الأب بما أشار إليه القرآن من تضحياتها، وصرح به النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه لمن سأله فقد قال له رجل: يا رسول الله من أحق الناس ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك»)،
بحسن الصحبة؟ قال: «أمك،
ثم أمك، ثم
(1) أخرجه مسلم (1974/ 4 رقم: 2548).