نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٣٩

المحور الثالث عشر: فيما يتعلق بتربية الأولاد

339

التدرج في تربية الأولاد

التربية من ربا يربو بمعنى نشأ ونما، فهي إذن بمعنى تنشئة الأولاد وتنميتهم حسا ومعنى، فتصدق على الرعاية ودفع الأذى والوقاية من كل ما يضعفهم، أو يقعد بهم عن النمو في درجات الخير، ناهيك أن التربية والربوبية مادتهما واحدة، وما سمي الله تعالى ربا إلا لأنه يربي عباده ومخلوقاته بالخلق والإنشاء، وبالرعاية والإنماء، ومن الشواهد الدالة على أن اشتقاق الربوبية والتربية من مادة واحدة قول علقمة الفحل:

وَأَنتَ امْرُؤٌ أَفضَتْ إِلَيْكَ أَمَانَتِي وَقَبلَكَ رَبَّتني فَضِعتُ رُبوبُ

فإن الربوب جمع رب، قال ابن سيده: «رُبُوبُ جمع رَبِّ»)، وقال أبو بكر الأنباري: «ويقال في جمع الربّ أرباب، وربوب، وأرب» (2)، قلت: الأرباب قلة، وكذلك أرب، وأما الربوب فهو جمع كثرة، وترى أن علقمة أسند

جمع

تربيته إلى الربوب، فتبينت وحدة مصدر الربوبية والتربية في الاشتقاق، وإنما صدق على الله وحده أنه رب العالمين، لأنه منشئ الكائنات ومنميها ومصلحها وواقيها، وهذا يدل أن التربية التي يقوم بها المربون يندرج في تضاعيف معانيها إصلاح الذين يربونهم وتنمية مواهبهم الحسية والمعنوية، وتزكية أخلاقهم، وتوسعة مداركهم، ووقايتهم من كل ما يضر بهم، وقد ذكر ابن الأثير في التربية أنهم: «كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها» (3)، ومقتضى ذلك رعاية ما يمكن أن تستوعبه مداركهم في ترقيتهم بمراقي العلوم.

في

وإذا كانت هذه هي التربية المستفادة من تشعب معاني هذه الكلمة دلالتها اللغوية، فإن تربية الأولاد المطلوبة من الوالدين وغيرهما لا تخرج

(1) ابن سيده: المخصص، 227/ 5.

(2) ابن الأنباري: الزاهر في معاني كلمات الناس، 82/ 2. (3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر: 181/ 2.