نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٥٠

350

نداء الحق

أخلاقهم هذه هي المعارج التي رقوها، فبلغوا بها درجات الخير، وأحرزوا بها قصبات السبق في الدنيا والآخرة، كما جاء عن ابن مسعود ه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار كل قريب هين لين سهل (1) ومن أولى بلطف المعاملة وبشاشة المحيا ورقة القول من الأهل والأولاد،

الذين تطمئن قلوبهم إلى راعيهم يرجون منه نظرة حانية تؤنس قلوبهم، وكلمة لينة تشرح صدورهم؟ ولهذا عزل عمر لها الله عامله عن العمل عندما أخبره أنه لم يقبل أحد أولاده، وهذا كله لا ينافي الحزم والقوة عندما يقتضيهما الأمر، فعمر ه - الذي أقصى عامله عن العمل بسبب ما لامس منه من غلظة الطبع وجفاء المعاملة عند أهله ـ كان نفسه شديد الحزم في معاملة أهله وأولاده لم تدفعه عاطفته تجاههم إلى أن يتساهل معهم على حساب العدل والإنصاف والحذق في المحافظة على حقوق الله وحقوق الناس، حسبكم ما روي عن عيسى بن معمر قال: نظر عمر بن الخطاب عام الرمادة إلى بطيخة في يد بعض ولده فقال: بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى فخرج الصبي هاربا وبكى فأسكت عمر بعدما سأل عن ذلك، فقالوا اشتراها بكف من نوى (2).

وبالجملة؛ فإن الحزم في التربية لا ينافي رقة الطبع والحنو والرحمة، بل الحزم نفسه إنما هو وليد الرحمة، إذ لا يحب الوامق المشفق على أهله وولده أن يتعرضوا لسخط الله تعالى وعقابه، ولهذا يحزم في معاملتهم من أجل أن

ينأى

بهم عن ذلك.

وكما سبق، فإن القدوة الحسنة في المربي هي أعمق أثراً وأبلغ في التأثير

على من يربيه، فعليه أن يكون صورة مما يحب أن يكون عليه.

(1) أخرجه الترمذي (654/ 4، رقم 2488) وقال: حسن غريب والطبراني (231/ 10، رقم 10562)، وابن حبان (216/ 2، رقم (470). وأخرجه أيضا: هناد (596/ 2، رقم 1263).

(2) انظر ابن سعد (315/ 3).