Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
359
الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَيكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (النساء: 18.
وذكر صاحب المنار في تفسيره للآيتين ما يتميز به كل واحد من الفريقين، وذلك في قوله: «لما ذكر ـ تعالى ـ أن التوبة مع الإصلاح تقتضي ترك العقوبة على الذنب في الدنيا ووصف نفسه بالتواب الرحيم أي الذي يقبل التوبة من عباده كثيرا، ويعفو بها عنهم - عقب ذلك ببيان شرط قبول التوبة فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ النساء: 17، أي إن التوبة التي أوجب الله ـ تعالى ـ قبولها على بوعده الذي هو أثر كرمه، وفضله ليست إلا للذين يعملون السوء بجهالة
نفسه
:
6
ثم يتوبون من قريب فالسوء هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله إذا كان عاقلا سليم الفطرة كريم النفس، أو يسوء الناس، ويصدق على الصغائر والكبائر. والجهالة: الجهل وتغلب في السفاهة التي تلابس النفس عند ثورة الشهوة، أو سورة الغضب فتذهب بالحلم وتنسي، الحق، والمراد بالزمن القريب: الوقت الذي تسكن فيه تلك الثورة، أو تنكسر به تلك السورة، ويثوب إلى فاعل السيئة حلمه، ويرجع إليه دينه وعقله، وذهب جمهور المفسرين إلى تفسير الزمن القريب بما قبل حضور الموت، واحتجوا على ذلك بالآية الثانية التي تنفي قبول توبة الذين يتوبون إذا حضر أحدهم الموت.
وليس ذلك بحجة لهم لأن الظاهر أن هذه الآية بينت الوقت الذي تقبل فيه التوبة من كل مذنب حتما، والآية الثانية بينت الوقت الذي لا تقبل فيه توبة مذنب قط، وما بين الوقتين مسكوت عنه، وهو محل الرجاء والخوف، فكلما قرب وقت التوبة من وقت اقتراف الذنب كان الرجاء أقوى، وكلما بعد الوقت بالإصرار وعدم المبالاة، والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح؛ لأن الإصرار قد ينتهي قبل حضور الموت بالرين والختم، وإحاطة الخطيئة».