نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٦٠

360

نداء الحق

إلى أن قال: «وكم غرت هذه العبارة الناس وجرأتهم على الإصرار على الذنوب، والآثام، وأوهمتهم أن المؤمن لا يضره أن يصر على المعاصي طول حياته إذا تاب قبل بلوغ روحه الحلقوم، فصار المغرورون يسوفون بالتوبة حتى يوبقهم التسويف، فيموتوا قبل أن يتمكنوا من التوبة، وما يجب أن تقرن به من إصلاح النفس بالعمل الصالح، كما في الآية السابقة، وآيات أخرى في معناها، كقوله - تعالى -: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» طه: 82، وقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) غافر: 7.

ولا ينافي ذلك ما ورد من الأحاديث والآثار في قبول التوبة إلى ما قبل الغرغرة. كحديث ابن عمر عند أحمد والترمذي: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم غرغر»، فإن المقصود من هذا أنه لا يجوز لأحد أن يقنط من رحمة ربه، وييأس من قبوله إياه إذا هو تاب وأناب إليه ما دام حيا، وليس معناه: أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبيل الموت ولو بساعة؛ فإن حمله على هذا المعنى مخالف لهدي كتاب الله في الآيات التي ذكرنا بعضها آنفا، ولسننه في خلق الإنسان من حيث إن نفسه تتدنس بالذنوب بالتدريج. فإذا طال الأمد على مزاولتها لها تتمكن فيها، وترسخ، فلا تزول إلا بتزكيتها بالعمل الصالح في زمن طويل يناسب زمن الدنس مع ترك أسباب الدنس، وأما الترك وحده فلا يكفي، كما إذا وردت الأقذار، والأدناس الحسية على ثوب زمنا طويلا، فإنه لا ينظف بمجرد انقطاعها عنه. على أن المعاصي إذا تكررت تصير عادات تملك على النفس أمرها حتى تصير التوبة بمجرد الترك من أعسر الأمور وأشقها؛ لأنها تكون عبارة عن اقتلاع الملكات التي تكيف بها المجموع العصبي، فما أخسر صفقة المسوفين الذين يغترون بكلام أسرى العبارات وغير المفسرين!» اهـ).

(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 362/ 4.