Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٦١المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
361
وقد تبين لك مما ذكره استلهاما من القرآن والسنة أن المعصية ـ والعياذ بالله ـ إذا تراكمت آثارها على القلب نسي الإنسان نفسه، بإهمالها وعدم المبالاة بمصيرها حتى يردى في دركات الجحيم مع الشيطان وحزبه، ونسي ربه بعدم الحرص على طاعته، وقد حذر الله تعالى من ذلك المؤمنين في قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَبِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) الحشر: 18 - 19، وأتبع ذلك بيان التباين بين مصيري الفريقين، إذ قال: {لَا يَسْتَوِى أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَابِرُونَ) الحشر، 20، لذلك كانت التوبة لمن بادر بها معصيته، فأقلع عن غيه، وأناب إلى ربه قبل أن تستحكم في هواه، فتسد عليه مسالك التفكير في مصيره.
التأثر بما يصدر من
والقلب سريع العبد من أعمال برا أو فجورا، فهو يزكو ويطهر إن بر، ويتدسي ويتدنس إن فجر، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنَهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنَهَا﴾ الشمس: 7 - 10، وليس وراء تزكيتها بالبر إلا الفلاح، ولا وراء تدسيتها بالفجور إلا الخيبة، فلينظر الإنسان إلى ما يراه الأولى به من المصيرين.
وقد أجاد العلامة صاحب المنار عندما مثل القلب بالثوب إن اعتني بتنظيفه مما يدنسه من الأدناس، أو أهمل حتى تراكمت عليه، فإن شورع إلى تطهيره وتنظيفه كان من السهل أن يعود إلى ما كان عليه، وإن ترك للأدناس تتوالى عليه طبقة بعد أخرى؛ كان من العسير أن يرد إلى طبيعته.
ويصدق عليه - أيضا - أنه كالمرآة عندما يعرض لها الصدأ؛ فإن تركت كان من العسير أن تجلى بعد ذلك، وإن شورع إلى إزالة الصدأ عنها عادت كما كانت، وهكذا القلوب تصدأ بالمعاصي وتنجلي بالتوبة، فما أحرى أولي البصائر أن يتسارعوا إلى تنظيف قلوبهم من رجس الآثام قبل أن ترين عليها.