Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٨38
نداء الحق
والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (1). فما بالك بمن يجلس في حلقة العلم فلا يصدر منه إلا الضجيج الذي يطير
بألباب الحاضرين، ويشوش عليهم حتى لا يفقهوا ما يدور في الحلقة؟!. وبالجملة؛ فإن لتلاوة القرآن آدابا وحرمات أصبحت لا تراعى من قبل الناس، وكذلك لحضور مجالس العلم آداب تمسك بها السلف الصالح، فكان لهم الحظ الأوفر من العلم اللدني، وقد أدرك العلماء ما يكون من الجهلة عندما يدخلون المجالس التي يتلى فيها القرآن من التشويش على التالي بالتسليم عليه والتحدث إليه، فلذلك استحب من استحب منهم أن تكون تلاوة القرآن في خلوة لتفادي شغب الداخلين، كما قال القرطبي: «ومن حرمته أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه، لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء» (2).
وكم رأينا تاليا يتلو القرآن في المسجد لا يبالي أن يقطع تلاوته ليتحدث إلى من حوله بما شاء من حديث الدنيا، وقد لا يخلو حديثه أحيانا من ضحك أو قهقهة، ثم يعود إلى التلاوة حتى يعرض له حديث آخر!!.
وعندما يدخل على قارئ القرآن داخل ممن يرى له تعظيما وقدرا لا يبالي أن يقطع قراءته ويقوم إجلالا لهذا الداخل، وينسجم معه في الحديث، ولا
(1) أخرجه البخاري (24/ 1 رقم: (66) ومسلم (1713/ 4 رقم: (2176) وابن حبان (286/ 1 ـ 287 رقم: 86) وأخرجه الربيع عن جابر بن زيد مرسلا (ص 33 رقم: 31).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 27/ 1.