نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٧٤

374

نداء الحق

فيه. قال الكلبي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. قال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم. قال القرظي يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود (1).

وعندي أن الاستغفار لا بد منه للتائب، ويدل عليه قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِي وَالْإِبْكَرِ) غافر: 55، وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) محمد: 19، والأمر للوجوب ما لم تصرفه عنه قرينة، وأنى بالقرينة الصارفة عنه؟! مع أن القرائن جميعا تؤكد الوجوب.

النبي

أما ما قيل من أن الاستغفار هو عين التوبة التي هي! والإقلاع وعقد العزم على عدم العودة إلى المعصية ولو لم يستغفر بلسانه، فهو مردود، لأن أمر بأن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، مع أنه ليس في وسعه أن يتوب عن المؤمنين والمؤمنات، فإن التوبة أمر خاص بين العبد وربه، إذ الندم والإقلاع عن المعصية وعقد العزم على عدم العودة إليها لا يمكن إلا أن يكون من الشخص العاصي نفسه، أما الاستغفار باللسان فيمكنه أن يشرك معه غيره، ويؤكد ذلك أن الاستغفار عطف على التوبة في العديد من الآيات كقوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرُ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) هود: 2 - 3 ودلالة هاتين الآيتين على وجوب الاستغفار ظاهرة من عدة أمور.

:

أولها ما ذكرناه من دلالة العطف على ذلك، لأن العطف يدل على تغاير المتعاطفين، إذ الشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يكفي أن يكون التغاير بين الجزء والكل، أو بين الماهية والركن، أو بين الشرط والمشروط، وبهذا تدرأ شبهة من يقول بأن العطف لما دل على ضرورة التغاير دل على أن التوبة غير الاستغفار.

(1) البغوي: تفسير البغوي: 169/ 8.