نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٧٧

المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية

377

السر بالسر والعلانية بالعلانية

يختلف حكم التوبة باختلاف حكم الذنب الذي يتاب منه، فقد يكون بينه وبين ربه، بحيث خفي على الناس ولم يظهر لهم، وقد يكون بينه وبين الناس، وهذا ـ أيضا ـ إما أن يكون بينه وبين خاصة من الناس، بحيث لا يطلع عليه إلا القليل، وقد يكون قارفه على ملأ من الناس، واشتهر به بين الخاص والعام. فإن كان من الذنوب السرية بين العبد، وربه فعليه أن يتوب توبة سرية مما أتاه من تلك المعصية، لأن الله يحب الستر، لعباده، وكذلك إن اطلع على معصيته خاصة من الناس، فعليه أن يبين لأولئك توبته مما أتاه، ولا يلزمه أن يعلن ذلك لجميع الناس، وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله).

وإن كانت معصيته علانية كالظلمة المجاهرين بظلمهم وفسادهم، فعليه أن يتوب منها علانية، ليتحول عند الناس من ظن السوء به إلى ظن الخير، ومن البراءة منه إلى ولايته وهذا الذي عناه النبي بقوله: «عليك بتقوى الله ما استطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت من سوء ء فأحدث الله فيه توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية» (2)، فمن جاهر بمعصيته لا تجزيه توبة السر، فكم للجهر بها من أثر سيء، فقد تحطم الحواجز التي بين النفوس وبين مواقعة الفواحش بإشاعته للفاحشة وتهوين ارتكابها وتزيينها للناس بفعله وقوله، فيندرج في حكم من سن سنة سيئة للناس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص

6

(1) أخرجه الحاكم (425/ 4، رقم 8158) والبيهقي (330/ 8، رقم 17379). (2) أخرجه أحمد في الزهد (ص (26)، والطبراني (159/ 20، رقم (331) قال المنذري (48/ 4)، وبلفظ قريب أخرجه ابن أبي شيبة (78/ 7، رقم 34325)، والبيهقي في شعب الإيمان (405/ 1، رقم 548)، وهناد (531/ 2، رقم 1092).