Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٧٩المحور الرابع عشر: فيما يتعلق بالتوبة والوصية
379
يدفعه إلى الشر، ورغبة تقوده إلى تجاوز حدود الانضباط بأوامر الله ونواهيه في تعاطيه ما في دنياه، وهذا الذي كان عليه الأنبياء ودرج عليه الصالحون، فهم
يتوبون وإن لم يوقنوا بالذنب؛ خشية أن يكونوا واقعوه من حيث لا يدرون. أما الغافلون فإنهم يسترسلون في الذنوب ذنبا بعد ذنب، ولا يفكرون في التوبة لأنهم أقصوا عن تفكيرهم أمر الدار الآخرة، لأنهم أسارى شهواتهم ونزواتهم ونزغاتهم وأسارى ما أوتوه في هذه الدنيا من مال وجاه ومنزلة بين الناس، وإن سنح لأفكارهم ذكر الدار الآخرة تناسوه بما يتخيلونه من فسحة الأجل، وامتداد الحياة، فإذا ذكروا بالتوبة تهربوا بتسويفها إلى حين؛ لأنهم يتصورون أن التوبة الصادقة تحول بينهم وبين مبتغاهم من شهوات الدنيا وأمانيها، لذلك يتصاممون عن نذيرها المذكر بها حتى يفجأهم ريب المنون، هنالك يعضون على بنان الندم، ويتمنون أن لو استقبلوا من أمرهم ما فات ليفوزوا بها، وهؤلاء هم الذين آيسهم الله تعالى من قبول التوبة بقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ النساء: 18.
وما أكثر هؤلاء الذين رانت على قلوبهم المعصية، واستحكم في نفوسهم
الهوى، فلا يلوون على قول نذير! ولا ينصتون إلى صوت واعظ! لأنهم كلما ازدادوا انغماسا في أوحال الذنوب، تعسر عليهم المخرج منها، فلم يجدوا إلى الفكاك منها سبيلا، ومع هذا كله فإنهم لو أحسنوا الجهاد مع أنفسهم واستبصروا بنور القرآن لاهتدوا إلى المخرج من الذنوب واتسع لهم المخلص من التبعات كيف وقد دعا الله الذين أسرفوا على أنفسهم أن يعودوا إليه غير قانطين من رحمته، ولكن من هو المجاهد لنفسه ورغباتها المفكر في عواقبها ومآلها؟! اللهم اجعلنا من التائبين المقبولين واغفر لنا خطايانا يوم وأعنا على أنفسنا الأمارة بالسوء، واجعل لنا من كل شر مخلصا، ومن كل سوء مخرجا، وأعذنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
الدين،