Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٨٦386
نداء الحق
ومن تأمل ما كان بين الأنبياء وبين وبين الأمم التي بعثوا فيها من حوار وجدل وضحت له صورة هذا الأمر ماثلة بين عينيه، فقد أتى الأنبياء أممهم وأقوامهم بالحجج القاطعة والحق اليقين، واقترنت دعواتهم بمعجزات تبهر العقول وتدهش البصائر، ولكن السواد الأعظم من الناس يظل مستمسكا بما ألف، متعاميا عما أبصرته عينه ووعاه عقله من المعجزات المتحدية لجدل كل معاند المستأصلة لشك كل، مرتاب ومتصامما عن خطاب الحكمة الصادر من ألسنة الأنبياء موقظا لناموس الفطرة في النفس البشرية، وإن صخ
أرجاء الوجود.
فليت شعري؛ ألم يبعث الأنبياء بالحكمة وفصل الخطاب، ويؤتوا من ملكات البيان ما ينحط دونه طائر المعارضة والتحدي من قبل الذين أرسلوا إليهم؟ غير أنهم لم يجدوا ممن يصيخ إليهم سمعه، ويصغي إليهم قلبه إلا القلة النادرة من الناس.
ألم يلبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يجادلهم بالتي هي أحسن، ويتخللهم بالموعظة، ويفتح أبصارهم وبصائرهم على الحق الذي لا يماري فيه ذو نهية ولا يعدل عنه إلا من إيفت فطرته؟.
وقد تلون خطابه لهم بحسب ما كان يرجوه من التأثير عليهم، وتردد بين الجهر والإسرار معرفا لهم بالإله الحق الذي تنادي بربوبيته ذرات الكون، وتشهد بوحدانيته جزيئات الوجود، داعيا إياهم إلى التأمل بما يتجلى على صفحات الوجود من آياته البينات الدالة على صفاته العظيمة، {مَا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) 13 - 20، فهو يقيم عليهم الحجة من خلق أنفسهم، ومن خلق غيرهم في
نوح: