نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٧

المحور الثالث: فيما يتعلق بحسن أداء العبادات المشروعة

47

الصالح لمقابلته مصدره الأول القرآن العزيز، وهو غير متناول منه إلا بفهم، والترتيل - لا شك - أكبر وسيلة للفهم.

ثم إن الترتيل قشر لبابه الحضور، وإنما شرع لتكمل به حقيقة الحضور، إذ الحضور مع المعاني مع هذرمة الألفاظ وتهريمها لا يتصور، فضلا عن أن يكون كاملا، فتأمل هذا المقام فإنه عظيم اهـ.

هذا؛ وقد نعى الله سبحانه على الذين لا يتدبرون القرآن، ولا يمعنون فيه أبصارهم وبصائرهم ليستجلوا أنواره ويستفتحوا خزائنه ويكتشفوا غرائبه، فقد قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا﴾ محمد: 24، وإذا لم يكن هذا من الإنسان في ساعة وقوفه بين يدي الله في صلاته، وانخراطه في سلك أهل الله في ملكوته الأعلى، الدائبين على الذكر، الغارقين في الشعور بعظمة الله تعالى، فمتى يتسنى له أن يقوم بهذا الواجب، ويؤدي هذه الضريبة المفروضة على عبوديته لربوبية الله تعالى؟! فإن الصلاة هي تجرد من العبد عن كل ما يشغله في دنياه عن الله، وإقبال منه على الله سبحانه بقلبه وقالبه، وروحه وجسمه، ومشاعره وأحاسيسه، حتى تكون كل كلمة ينطق بها إبان صلاته أو يسمعها من إمامه تفتح له آفاقا من الفكر، وتعرج به إلى أبعاد من ملكوت الله، وتقوده إلى الحضرة القدسية بين يدي الله تعالى حتى ينسى نفسه وأهله، وكل ما يشغله في حياته، فلا يستشعر إلا بنعمة هذا الوقوف بين يدي من تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وتسجد لجلاله كل ذرة من ذرات الوجود، وكل جزيئة في جنبات الكون.

وأي لذة يجدها الإنسان كلذة مناجاة الجناب الأقدس الذي تعرج إليه الملائكة والروح، وأي شرف أعظم له من شرف المثول بين يديه، والإفضاء بما في نفسه إليه، وتهذيب هذه النفس بالتلقي عنه مباشرة، بحيث يعرج إليه

(1) أبو مسلم البهلاني: نثار الجوهر: 308/ 2 - 309.