Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧٤74
نداء الحق
ومع ذلك فإنه يجب التزام شرع الله تعالى في كل ما يلابس بناءه، فلا يكون في أرض مغصوبة ولا بمال حرام ولا بكيفية تؤدي إلى المباهاة والمفاخرة، وإنما تراعى فيه حاجة المسلمين إليه، ومع ذلك لا يكون سبيلا إلى إماتة سنة أو إحياء بدعة أو نشر ضلالة.
وهذا كله ظاهر من قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا صِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ} التوبة: 107، فقد أنكر الله تعالى على هؤلاء الذين أنشأوا هذا المسجد ما قاموا به للأسباب التي كانت تحيط بإنشائه من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، وكل سبب منها يستقل بهذا الحكم، فمتى وجد أي سبب من هذه الأسباب في بناء مسجد من المساجد كان حقيقا أن يسلب وصف المسجد وحكمه عنه، ولا يلزم أن تجتمع جميعا، فلو كان في إقامته إضرار بأحد ماديا أو معنويا، أو كان بسببه تفرق بين جماعة المؤمنين، أو اشتمل على غرض مناف لهدي الإسلام، سواء كان مخرجا من الملة أو كان غير مخرج، أو أريد به الإرصاد لحرب الله ورسوله بحرب دينه أو عباده، كان بأي واحد من هذه الأسباب مسلوبا حكم المسجد، فلا تجوز الصلاة فيه، ولا يجوز إبقاؤه، والكفر المراد هنا أعم من يكون مليا أو يكون كفر نعمة.
أن
وقد بيّن تعالى بعد ذلك عدم جواز القيام - أي الدخول للصلاة - فيما لابسه شيء من هذه الأسباب عندما قال: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ أُيْسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة: 108، وفي هذا ما يدل على أن المسجد الذي يعطى حكم المساجد ـ وتكون له قدسيتها، ويحق القيام فيه لأداء شعائر الله تعالى ـ هو المسجد الذي يؤسس من أول يوم على تقوى الله، وأنت تدري أن تقوى الله هي التزام حكمه فيما أمر به أو نهى عنه فعلا وتركا.