Alsaidia_37_Modified
الجزء ١ · صفحة ٨٢82
نداء الحق
ويتبعون مذهبا واحدا إلا أنهم أثر عليهم الشيطان فتحزبوا حزبين، وقد ظل أثر ذلك ساريا في نفوس بعضهم حتى مع ما حصل من التلاحم ونسيان الخلافات القبلية، وكانت الجمعة تقام في أحدى الحارتين، ولكن مسؤول الحارة الأخرى كان مصرا على أن يستقلوا بجمعتهم!! فعجبت من هذا التنافس غير المحمود
الذي يعمق الخلاف، ويؤصل الشقاق، ويجعل من العبادات وسيلة لذلك. وأنت ترى أن علماء الأمة مع تعدد مذاهبهم الفقهية قالوا إن الجمعة لا تتكرر في المدينة الواحدة إلا لضرورة، بحيث يتعذر أن يجتمع السكان في جامع واحد، فقد اطلعت على تشدد ابن حزم في بناء مسجد جديد إن ضاق المسجد السابق، بحيث لم يبح ذلك إلا أن يكون المسجد الثاني لا يسمع فيه نداء المسجد الأول، فكيف بهذه المساجد المتجاورة، التي لا يؤمن أن يشوش الأئمة فيها بعضهم على بعض في قراءتهم؟!.
وقد كان حريا بالعلماء - وهم الذين أخذ منهم العهد أن يبينوا حكم الله -
من
أن لا يسكتوا عن العوام، وأن يبصروهم بالحق، ويبينوا لهم الخطأ. الصواب، وأنت ترى كيف كان لسكوتهم وإقرارهم ما يَتَّبِعُه الناس من أثر في التباس الحكم الشرعي، حتى رأى الناس كثيرا مما أحدثوه صوابا مع كونه عين الخطأ، وقد رأيت كيف كان موقف العلماء الغابرين في هذه القضية، وتشددهم في الاستجابة لداعي الهوى، وابتغاء ما عند الناس من الشهرة والتباهي والتكثير من المساجد؛ التي تتفرق بها الجماعات، وتكون مصدرا للحمية الممقوتة في الإسلام، وأشد من ذلك حرص كل طائفة على الاستقلال بجمعتها!! مع أنها لم تسم جمعة إلا لأنها تجمع ولا تفرق.
هذا؛ وقد تجد الذين يحرصون على بناء المساجد بجوار أخرى إن عرض لهم أن يبنوها في أمكنة هي أحوج إلى المساجد لخلوها منها امتنعوا من ذلك
وشحوا بأموالهم، وأبوا أن يبنوها إلا حيث يكون بينها التزاحم والتضار!!.