الحقيقة الدامغة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_39_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

الحقيقة الدامغة

الْفَاوِينَ} [الحجر: 39 - 42]، فأنت ترى أن الشيطان نفسه يستثني ممن تهددهم بالغواية عباد الله المخلصين، فهو - وإن كان لا يألو جهدا في

محاولة الوسوسة لهم - تَحُولُ دون مبتغاه فيهم عناية الله تعالى بهم.

على أن أولئك الذين يتسلط عليهم هم مختلفون في تأثيره عليهم،

فمنهم من يستحوذ عليه حتى لا يبقى له ما يبصره بما يحدق به من الخطر، فيستسلم له في كل شيء، ومنهم من توقظه الفطرة فيسعى إلى التحرر من ربقته أحيانا، ومنهم من يجاهد في التخلص من آثار هذه الغواية، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾

[الأعراف: 200 - 201].

وتختلف كذلك أنواع الغواية، فمنهم مَنْ يزين له الشهوات فينغمس فيها حتى لا يمكنه التحرر منها فيظل دائما أسير شهوته لا فكاك له عنها ولا يفكر في غيرها، ومنهم من يزين له العدوان على الغير، فيظل حياته كلها لا يهدأ له بال ولا تهنأ له نفس إلا بسفك الدماء وإزهاق الأرواح وإهلاك الحرث والنسل، ومنهم من يأتيه من حب المال فيزين له جمعه من الوجوه المحرمة، فلا يبالي بالسرقة أو الاحتيال أو الغش وسائر أنواع الظلم، لأنه بتأثيره عليه يظل في سعار لا يطفئه شيء، فكلما ازداد جمعا للمال اشتد سعاره إليه، ومنهم من يأتيه من قبل المناصب وحب التسلط على الناس والرغبة في الاستعلاء، ومنهم من يأتيه من قبل الاستخفاف بالواجبات والإعراض عما يعود بالمصلحة عليه أو على أسرته أو على مجتمعه أو على أمته ومنهم من يزين له الباطل ويكره إليه الحق، حتى

يظل في حياته كلها حربا على الحق وأهله، نصيرا للباطل وحزبه.