Alsaidia_39_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٦٣المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية 163
لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. وكذلك أنذر أعداءه بعذاب فوق ما يتصور، كما في قوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بطونهم وَالْجُلُودُ وَلَمْ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَدٍ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 19 - 22]، وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نار جهنم لا يُقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُونُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِجُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرَكُم مَّا يَتَذَكَرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
[فاطر: 36 - 37].
ولكن هؤلاء أبوا إلا أن يهونوا من هذا الأمر، ويصوروا وعد الله تعالى تصويرا ماديا لا يتعدى ما تطمح إليه نفس الإنسان المغرور بالحياة الدنيا من متاعها الفاني وزخرفها الخلاب، فقد حولوه إلى ما يدعو إلى التفاني في خدمة الدنيا والعناية بحطامها، وما ذلك إلا ليصدوا الناس عن الدين ويلهوهم عنه بحب الدنيا، ويشغلوهم عن التفكير في الدار الآخرة، وما أعد الله تعالى فيها لأوليائه من النعيم ولأعدائه من الجحيم، فقد زعم زاعمهم أن القراءة الحضارية لنعيم الجنة تبعث إلى العناية بنعيم الدنيا والبحث عن أسبابه، فما ذكر من جنان الخلد وما فيها من الفواكه والزينة يراد منه أن يعتني الناس بزراعة الأرض واستخراج المياه منها، وتحويلها إلى واحات ناضرة وأفياء ظليلة وجنان فيها أنواع الفاكهة والثمار.
وهذا لا يعني إلا الصد عن التعلق بالدار الآخرة والتفكير في نعيمها الأبدي الخالد الذي تعجز مدارك البشر عن تصوره أو تخيله، وأنت تدري أن القرآن الكريم لم يأت حاضًا على التعلق بالدنيا وجعلها هي غاية الأمل