الحقيقة الدامغة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_39_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية |

بشرى بالنعيم المقيم في الدار الآخرة يُراد به شحذ الهمم من أجل التفاني في خدمة الدنيا الفانية؟.

على أننا نجد في كتاب الله التباين في المصير بين من كانت الدنيا مستأثرة بهمومه وهممه، ومن أخلصها في طلب الدار الآخرة، فقد قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَيْكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15 - 16]، وقال سبحانه: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَبِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا [الإسراء: 18 - 19]، وقال عز من قائل: ومَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُونِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20]، وقال: {فَأَمَّا مَن طَغَى وَاثَرَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْقَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 37 - 41].

وهذه كلها نصوص واضحة دلالتها على أن ذوي الكياسة والفطنة لا يكون مطمحهم إلا الدار الآخرة، وأما الذين حرموا البصيرة والتمييز فهم الذين يروق لهم بريق هذه الحياة فيصرفون إليها جهدهم ويُنْضُونَ من أجلها أنفسهم ولا يحسبون حسابا للدار الآخرة، وقد بين الله سبحانه أن نصيب كل واحدة من الطائفتين ما شغل بالها وصرفت من أجله عنايتها، فما لطلاب الدنيا في الآخرة من نصيب وإنما لهم النار والعياذ بالله لأنهم أهملوها، إذ لم يعدوا لها عدتها ولم يفنوا من أجلها طاقاتهم وملكاتهم

بخلاف الذين صرفوا عنايتهم للآخرة، فإنهم يبوأون فيها الدرجات العلى. وهذا لا يعني بحال أن السعداء البررة لا يأخذون نصيبهم من الدنيا، فإنهم مخلوقون فيها، ولا بد لهم من تحصيل ما لا بد لهم منه من متاعها،