الحقيقة الدامغة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_39_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧١

171

المحور الرابع: العقلانية ومباينتها للإباضية | 71

بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَتُم وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة: 1]، وبيَّن أن للمؤمنين أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه حيث قال: قد كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَ وُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن. دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاهُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَولَ إِبْرَاهِيمَ

لأبيه لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة: 4]، ومعنى ذلك أن كل ما كان أولئك بين وبين قومهم الكافرين يجب أن يكون بين المؤمنين والذين كفروا، فهم مطالبون بالتأسي بهم فيه، وإنما استثنى من ذلك استغفار إبراهيم لأبيه، فلا يحق لمؤمن أن يستغفر لكافر، وإنما كان استغفار إبراهيم لأبيه لوعد كان بينهما، فليس للمؤمنين أن يتأسوا به فيه.

وأكد تعالى على هذه المفاصلة في قوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَبِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِنْةٌ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أَوَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، وحَسْبُكم في هذا حكما صارما ما أجاب الله الله به نوحا الذي نادى ابنه أن ينضم إلى فريق المؤمنين الذين آووا إلى سفينة النجاة، فتثبط عن ذلك واعتذر بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، ولم يُجْدِهِ خطاب أبيه شيئا، بل ظل على إصراره فهلك مع الهالكين، وأخذت نوح تجاهه عاطفة أبوية: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَكِمِينَ﴾ [هود: 45]، فما كان إلا أن أتاه من الجواب ما يستأصل هذا الطمع ويقطع دابر هذه الأمنية التي شغلت باله: وَقَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ} [هود: 46]، فما كان من نوح إلا أن أذعن لأمر