Alsaidia_39_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧٥175
المحور الرابع العقلانية ومباينتها للإباضية
وبالجملة؛ فإن ما تمجّه أفواههم المسمومة كله دعوة إلى التحلل من الدين، والارتكاس في الضلال والانغماس في الرذائل، وشيوع الإباحية بين الناس، ولا غرو فإنهم لم يدعوا أن الشيطان متقاعد عن مهمته إلا لأنهم رأوا أنهم قادرون على أن يسدوا مسدّه، ويؤدوا دوره كاملا غير منقوص، فلذلك لا يفتأون يدعون إلى الباطل ويشجعون على الفساد، وقد اتصفوا بكل ما هو موصوف به، فالله سبحانه وصفه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169]، وهكذا شأنهم، فإنهم مع دعوتهم الدائبة إلى التحلل من قيم الإسلام ونبذه وراء الظهور واتباع الشهوات؛ يَدْعُون أيضًا إلى القول على الله بغير علم، ولمن اتبعه في ذلك أسوة سيئة، فإنهم مع غرقهم في الجهل إلى نواصيهم يخوضون في أمر الشريعة خوضا، ويسفهون الحق ويروجون الباطل، فأي دور
للشيطان لم يقوموا به، وأي فتنة شعواء في الأمة لم يوقدوا نارها؟!!. . إغراق العقلانيين في الضلالة أدى بهم إلى إنكار بدهيات العقول: لم يقتصر العقلانيون على إنكار ما دَلَّتْ عليه نصوص الشرع من القرآن والسنة، وإنما تجاوزوا ذلك إلى إنكار الحس ومكابرة العقل، وجحد الواقع الذي لا يكابر فيه إلا المبرسمون، وبهذا تدرك أن انتسابهم إلى العقل لا يعدو أن يكون شعارا ضد الواقع فإنهم ألصق بالجهلانية منهم بالعقلانية، فكم أنكروا من حقائق مسلمة من كل الناس مؤمنهم وجاحدهم، وعاقلهم وجاهلهم وذكيهم، وغبيهم، فهم في سباق مستعر لجحد الواقع، يتفننون فيه بقدر ما يمليه على كل منهم خيالهم المأفون، وقد انتهى الأمر بأحدهم أن ينكر الزمان زاعما أنه مجرد وهم، وأن الناس سيكتشفون أنهم واقعون من اعتقاد وجوده في وهم ولو بعد حين.
وما أشبه هذا الزعم بزعم السير جميس جينز) الذي ادعى أن الكون