Alsaidia_39_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٨٠180
الحقيقة الدامغة
الملحدون، الذين تكاثفت ظلمات الكفر والإلحاد على نفوسهم، فاسودت قلوبهم واحلولكت بصائرهم، فلم يعد للنور منفذ إلى ألبابهم، ولم ينفذ من الإيمان شعاع إليهم فتستيقظ به مداركهم ويميزوا بين الحقيقة والوهم؟! ولو آمنوا بالكتاب لشعّ لهم هذا النور الوقاد من آياته البينات، فالله عندما وصف فيه عباد الرحمن لم يصفهم أنهم يقضون سواد ليلهم بين كيل ووزن
وتسليم وقبض، وإنما وصفهم بقوله: {وَالَّذِينَ يَبيثُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيمَا [الفرقان: 64]، وقال فيهم: آمَنْ هُوَ فَنِتُ ءَانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَابِمَا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَبِ [الزمر: 9] ولا غرو فإنما يتذكر أولو الألباب.
وأين هؤلاء من الذكرى وقد غرقوا في ظلمات الغفلة، وأين هم من العلم وقد طمت عليهم بحار الجهل؟! كالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى انْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسلِمَ لرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 71]، وإن عجبت فاعجب من هذه المجادلة بالباطل لإزهاق الحق في حقائق لا تحتمل الجدل لوضوحها كالشمس في رابعة النهار، ولا يستحيون أن ينادى عليهم بالجهل والغباء لدى العامة قبل الخاصة، فإن ما يجادلون فيه هو من الظهور بمكان كمن يجادل في طلوع الشمس وإشراقها وهي في كبد السماء والجو صحو لا يحجبها عن الأبصار غيم ولا قتر، وقد رضوا لأنفسهم في سبيل هواهم أن يكونوا كمن هو من نطاته لا يميز بين يغمى على المرء في أيام محنته حتى يرى الخير في طعن وفي جدل ومَن يُرد شهرةً يضحى الخلاف له أقوى معين على المقصودِ من حيل فالمرتجي منه طول الدهر منفعةٌ كالمستقي من فضول الظَّلِّ والبَلل إن الجهول لِجُهّال غدا عَضُداً يُؤلف الحزب للأضرار والنكل
لطاته وقطاته.