Alsaidia_39_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٨٩الخاتمة
الخسِرُونَ الله وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أعين لا يُبْصِرُونَ بها وَلَهُمْ وَاذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَيكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَيكَ هُمُ العفلُونَ [الأعراف: 175 - 179].
فإذا كان مِنْ هؤلاء مَنْ قرأ القرآن يوما ما فإن مثله لا يعدو أن يكون كما ذكر الله تعالى في هذه الآيات؛ شأن من يؤتيه آياته ثم ينسلخ منها، أو كما قال في الذين أوتوا التوراة: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَبُوا بِثَابَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5].
وبالجملة؛ فإن تمَسُّحَ هؤلاء بأي مذهب إسلامي لا يخرج عن أسلوب المنافقين في خداعهم للمؤمنين، ومحاولة تخديرهم ليدفعوا عن أنفسهم ما يترتب على ظهور طواياهم من الأحكام، وليتمكنوا من حرب الإسلام من داخله، وتلك حرب ألأم وألْعَنُ من الحرب المكشوفة، ولذلك كان التحذير من المنافقين في القرآن أبلغ من التحذير من أهل الكفر الصراح، فقد ذكر الله تعالى في أوائل سورة البقرة الذين كفروا في آيتين اثنتين، وأتبعهما ثلاث عشرة آية كلها تصب قوارعها على المنافقين، وتعري دخائلهم، وتكشف أساليبهم، وتلفحهم بسعير وعيدها اللاهب، وما ذلك إلا لخطورة النفاق واستطارة شره وعموم بلواه.
على أن هذا كله لم يكن من أجل فئة رزئ بها الإسلام في طلعته الأولى، وإنما هو درس للأمة على مر القرون وأدوار التأريخ، فالنفاق هو النفاق، سواء كان في طلعة الإسلام الأولى أو كان بعدها بقرون، وطبيعة المنافقين لا تزال كما كانت، ونزعتهم إلى الفساد والشر تتجدد في جميع فئاتهم وإن تباعدوا في العصور، وسجاياهم تطفح على أقوالهم وأعمالهم في كل الأوقات، فمهما تنوع ما يحبكونه من الإفك لستر سوآتهم، فإن تلكم السوآت هي عينها كما كانت في أسلافهم الأولين، وقد قدر الله
189