Alsaidia_39_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٥المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية
الغفاري، عندنا بالبصرة ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس، وقرأ: قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَر ما (1).
مع أن النهي عن أكل الحمر الأهلية روي بطرق متعددة ولم يكن من طريق الحكم بن عمرو وحده، وهذا يدل على أن الصحابة التي كانوا حراصا على نقد الروايات وردها ولو أتتهم من طرق صحابة عدول عندما يلحظون فيها أدنى مخالفة لما في القرآن الكريم، ولم يكن ذلك تجريحا لرواتها، ولكن لما يتصورونه من احتمال الالتباس عند حمل الرواية أو عروض النسيان، وهذا ما يدل عليه قول عائشة لا يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها (2).
وإذا كان هذا في عهد الصحابة مع تلقي الرواية عن الصحابي الذي تلقاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير واسطة سواه، وما عرف به الصحابة من الضبط في الرواية وإتقان التلقي والدقة في الأداء، فما بالك بما تناقله الرواة راو بعد آخر مع تقادم العهد وكثرة الوسائط، وما حدث في الأمة من زوابع الأهواء التي محت رسوم الدين وبلبلت الأفكار وحيرت البصائر، أفلا يكون الاحتياط بعرض الحديث على القرآن هو المنهج أسلم والميزان الأعدل؟ ناهيك أنه منهج رسمه النبي صلى الله عليه وسلم وسار عليه الصحابة وهم خير القرون، وقد كانوا أورع وأدق وأحوط وأخبر
الأسد
بطرق النقد.
على أن علماء المصطلح لم يكونوا عازفين عن ذلك، فهذا البغدادي
(1) أخرجه البخاري (96/ 7 رقم: 5529). (2) أخرجه الربيع (1951) رقم: (483)، وموطأ مالك (29/ 2 رقم: 803)، ومسلم (2) 643 رقم: (923)، والنسائي (17/ 4 رقم: (1856) والبيهقي (121/ 4 رقم: 7175).
45