الحقيقة الدامغة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_39_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٥

المحور الثاني: منهج الإباضية في الحكم على الرواية

ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان، فالخواص يفهمون من الأقول الإمكان، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم: 42] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة، فلا بد من الاستناد إلى قديم والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير، فإذا

كان نازلاً إلى المغرب كان ضعيف الأثر، والإله هو من لا يتغير» (1).

وقال السيد محمد رشيد رضا: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ﴾ أي فلما غرب هذا الكوكب واحتجب قال: لا أحب من يغيب ويحتجب،

،

ويحول بينه وبين محبه الأفق أو غيره من الحجب، وأشار بقوله (الآفلين) إلى أن هذا الكوكب فرد من أفراد جنس كله يغيب ويأفل، والعاقل السليم الفطرة والذوق لا يختار لنفسه حب شيء يغيب عنه ويوحشه فقد جماله وكماله، حتى في الحب الذي هو دون حب العبادة، فإن أحب شيئا من ذلك بجاذب الشهوة دون الاختيار فلا يلبث أن يسلو عنه بنزوح الدار والاحتجاب عن الأبصار، إلا أن يصير حبه من هوس الخيال، وفنون الجنون والخبال، وأما حب العبادة الذي هو أعلى الحب وأكمله - لأنه من مقتضى الفطرة السليمة والعقل الصحيح - فلا يجوز إلا أن يكون للرب الحاضر القريب، السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يأفل، ولا ينسى ولا يذهل، الظاهر في كل شيء بآياته وتجليه الباطن في كل شيء بحكمته ولطفه الخفي فيه لا

(1) نظم الدرر، 659/ 2.

55