Alsaidia_48_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢١٥أما دليل الإستطاعة المقارنة الموجبة فمثل قوله تعالى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ)، وقوله: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَلَم عَن
ذكرى وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُون سمعا. فبهذه الإستطاعة هي المقارنة الموجبة.
ويطلق على الإستطاعة الأولى " الشرعية " وهي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس. كما يطلق على الإستطاعة الثانية " الكونية " وهي مناط
(34)
القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل. وقد اعتقد السلفية أنهم بهذا قد قدموا حلا لهذه المشكلة، خلافا لقول المعتزلة والجبرية، ذلك أنهم قد جمعوا بين قول المعتزلة الذين جعلوا أفعال العباد مخلوقة لهم يأتونها بإقدار الله لهم عليها وبكامل حريتهم، وبين قول المجبرة الذين ذهبوا إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لا دخل للعباد فيها،، ولا سلطان لهم عليها. إلا أن السلفيين بتغليبهم للاستطاعة الكونية المقارنة للفعل والموجبة له على الاستطاعة الشرعية المتقدمة على الفعل والمجوزة له، وأن الإنسان لا يمكنه بدونها، حتى ولو توفرت له الإستطاعة
الشرعية أن يقوم بالفعل، وذلك لأنه " لا يكون إلا ما علم الله كونه
(35) -
وأراد كونه فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ". وعند مشيئة الله وإرادته تكون الإستطاعة الكونية للعبد التي بها يوجد الفعل، ومع عدم مشيئة الله تعالى وإرادته لن تكون هذه الاستطاعة الكونية ومن ثم لا يوجد الفعل، وذلك مع وجود الإستطاعة الأولى في الحالتين. وترتيبا على هذا نجد أن السلفيين لم يقدموا بهذا خلاً للمشكلة كما زعموا،
ولكنهم عادوا مرة أخرى إلى القول بالجبر، وإن البسوه صورة أخرى.
وفى مواجهة هذا التعارض بين القائلين بالجبر والقائلين بالإختيار في أفعال العباد خرج علينا أبو الحسن الأشعرى ت 330 هـ. - بنظريته في
215