الإباضية وآراؤهم الكلامية عبد الحي محمد قابيل [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_48_Modified

الجزء ١ · صفحة ٩٤

سائل فقال: هل دللتم على حدوث الأشياء لا من شئ فهل حدثت من تلقائها، وما دلكم على حاجتها إلى محدث يحدثها؟ قيل له:

لا تخلو هذه الأشياء من وجهين لا ثالث لهما: إما أن تكون حدثت بمحدث أحدثها، أو حدثت من تلقائها بلا محدث، وبطل أن تكون تحدث من تلقاء نفسها، لأنها لو كانت كذلك لحدثت قبل حدوثها أو بعده، ولكان المتقدم منها متأخرا، والمتأخر متقدما، والمتوسط متقدما أو متأخرا، أو متقدمة جميعا، أو متأخرة جميعا، فلما أن وجدناها حدثت في وقت حدثها، دون ما قبل ذلك الوقت ودون ما بعده، ووجدنا المتقدم منها متقدما، والمتوسط متوسطا، والمتأخر متأخرا، وعلمنا أن ذلك لم يكن إلا بإرادة محدث أحدثها، فقدم ما أراد أن يقدمه، ووسط ما أراد أن يوسطه، وأخر ما أراد أن يؤخره، وبطل عند ذكرنا القول بأن الأشياء حدثت من تلقاء نفسها بغير محدث، وثبت القول الثاني بأن الأشياء محتاجة إلى محدث يحدثها في أوقات حدوثها، يقدم ما أراد تقديمه منها، ويؤخر ما أراد تأخيره.

فإن قال: وما يدريكم لعل هذه الأشياء أحدثت أنفسها، ولعل المحدث لها هي بأنفسها؟ قيل له " لا تخلو هذه الأشياء بعد ما ثبت حدوثها، وثبت أن لها محدث أحدثها، وأنها غير مستغنية عن ذلك من وجهين لا ثالث لهما: إما أن تكون أحدثت نفسها، أو أن تكون أحدثها غيرها. ويبطل أن تكون أحدثت نفسها من قبل أنها لا تخلو في حال حدوثها من أن تكون معدومة أو موجودة، فإن كانت معدومة، فالمعدوم لا يحدث شيئا، نفسه ولا غيره، وإن تكن موجودة، فما حاجتها إلى أن توجد نفسها وهي موجودة بعد؟ فلما فسد هذان الوجهان ثبت أن لها

94