Alsaidia_79_Modified
الجزء ١ · صفحة ١١٨118
نظرات تجديدية فقهية
الخوف قلوب الكثير مِنَ النَّاس، فلا يقدمون، ولا يتجرؤون على الاعتداء عندما يعلمون أن مصير القاتل القتل؛ لأنَّ الناس من طبعهم ظلم بعضهم بعضا، فهم كما يقول المتنبي:
وَالظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لَا يَظْلِمُ والعلة. هي إما دين وازع، أو سلطان رادع، وهو المعنى الذي قررته الآية الكريمة من القصاص: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].
وقد تبارى علماء التفسير في إبراز منطوق ومفهوم هذه الآية العظيمة، وقد أتى العلامة الزمخشري المعروف ببراعته اللغوية والبلاغية بالعجب العجاب في السقوط على معناها العظيم حيث قال كلام فصيح لما فيه مِنَ الغرابة، وهو من القصاص قتل وتفويت الحياة، وقد جعل مكانًا وظرفا للحياة، ومَنْ أصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأنَّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كُليب، حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص؛ كانت فيه حياة؛ أي: حياة أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصل بالارتداع عن القتل؛ لوقوع العلم بالاقتصاص مِنَ القاتل؛ لأنَّه إذا هم بالقتل، فعلم أنَّه يقتصُّ منه، فارتدع؛ سَلم صاحبه مِنَ القتل، وسلم هو مِنَ القَوَد، فكان القصاص سبب حياة نفسين».
مِنْ هذا يعلم الإنسان أن الله الله إنما شرع القصاص بين بني آدم لبقاء الحياة، وصونًا لنفس الإنسان لشرفها على نفوس سائر الحيوانات (2)، وذلك
(1) الزمخشري محمود بن عمر، الکشاف، ج 1، ص 333، دار الفکر، لبنان.
(2) السيابي، خلفان بن جميل المصدر السابق، ص.
،
210