Alsaidia_79_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٢٩التعامل مع غير المسلمين رؤية إسلامية، وواقع تاريخي
129
وقد أطلق الإسلام على اليهود والنصارى بأنهم أهل الكتاب؛ اعترافًا منه بما كانوا عليه من دين إلهي؛ كرسالة موسى، ورسالة عيسى، وما كان عندهم مِنْ كتب ربَّانيَّة - التَّوراة والإنجيل -، بغض النظر عن تحريفهم إيَّاهنَّ؛ وذلك لإشعارهم باقترابهم مِنَ الإسلام واقتراب الإسلام منهم، ولا شك أن إطلاق مصطلح أهل الكتاب على اليهود والنصارى فيه خصوصيَّة لهم، لا توجد لغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، لذلك خصهم الإسلام بأحكام تقربهم من المسلمين وتقرّب المسلمين إليهم؛ كالقول بطهارتهم، وأكل طعامهم، وذبائحهم، وتزوج نسائهم، وغير ذلك من الأحكام الجميلة، ولم يفت الإسلام أن ينظر نظرته الرَّحيمة إلى أصحاب الديانات الأخرى من غير
أهل الكتاب.
ومن الإنصاف جيدا أن يتشدّد الإسلام تجاه مشركي العرب بأن لا يقبل منهم إِلَّا الدخول في الإسلام، أو يوجّه إليهم الحكم بالقتل؛ وذلك على اعتبار أن الله تعالى اختارهم لحمل رسالة الإسلام إلى الناس، وجعل فيهم النُّبوَّة بأَنْ بعث محمدا صلى الله عليه وسلم منهم، وإذا امتنعوا عن قبول الإسلام، ورفضوا الدخول فيه، فغيرهم أحرى أن يتخلف عنه، أمَّا مشركو العجم، أو وثنيو العجم؛ فلم يكن الإسلام تجاههم بتلك الشِّدَّة، بل اكتفى منهم بدفع الجزية مقابل الحماية الإسلامية لهم.
وعلى العموم فإنَّ الإسلام لم يناصب أحدا من البشرية العداء، بل كانت نظرته إليهم نظرة رحمة ورأفة وشفقة، على اعتبار أنهم شركاء في الإنسانية، والنوع البشري، طالما أنَّهم لم يناصبوا الإسلام والمسلمين
(1) تقسيم البشر إلى عرب وعجم هو تعبير قرآني، أي ما عدا العرب فهم عجم، {وَلَوْ جَعَلْتَهُ قرءانا أَعْجَمِيّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ وَايَنُهُ وَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبي) [فصلت: 44].