نظرات تجديدية فقهية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_79_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٥

الدية وقتل النفس من منظور فقهي

55

على قول آخر، وبين هذين القولين أقوال، لا نحب الخوض فيها؛ إذ ليست هي هذا من مهام. البحث.

لذلك كان حفظ النفس البشريَّة مِنَ الضروريات الخمس التي علم بها مقصد الشريعة الإسلامية، بل إن حفظ النَّفس هو أيضا من مقاصد الشرائع السابقة، يقول الله - تبارك وتعالى -: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، فقد جعل الله تعالى مَنْ قتل نفسًا واحدة كمَنْ قتل النَّاس جميعًا، قال الإمام القطب: «لفتحه باب القتل وتجرئة الناس؛ حتى كان النَّاس قاموا كل يقتل الآخر، ولأنَّ قتل الواحد كقتل الجميع في جلب غضب الله ع، وانتهاك حد الله»؛ الأمر الذي يحمل تنفيرًا شديدا من الوقوع في قتل النَّفس، أمَّا مَنْ أحياها ـ أي: أحيا نفسا واحدة -؛ فكأنّما أحيا الناس جميعًا، وفيه حثّ كبيرٌ على الإعانة على الحياة، قال الإمام القطب: «وذلك لفتح باب البقاء، وترغيب الناس فيه، ومراعاة حق الله وحدوده، وفي ذلك محاماة؛ إذ قاتل غيرك كقاتلك، ومسارعة؛ إذ كان محيي غيرك كمحييك، فتحبُّ المحيي، وتعينه، وتردُّ مريد القتل وتبغضه» (2).

لذلك شرع الله القصاص إبقاء للحياة، وصونًا لنفس الإنسان وشرفها، يقول عز من قائل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْخَرُّ بِالْخَرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَانْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ ذَلِكَ تَخْفِيفُ مِن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 178 - 179]؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا عَلِم أنَّه إن قتل غيره قُتِلَ به قصاصا؛ كف عن القتل،

(1) المصدر السابق، ج 3، ص 79.

(2) نفس المصدر.

٥١ / ٢٣٩